أزرق طيبة

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلى وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه

لتَكُن لَكَ -أيُّها الزائر - عِنايَةٌ تَامَّةٌ بِصُحبةِ الأَخيارِ وَمُجالَسَةِ الصَّالِحينَ الأَبرارِ. وَكُن شَديدَ الحِرصِ علَى طَلبِ شَيخٍ صَالِحٍ مُرشِدٍ نَاصِحٍ، عَارِفٍ بِالشَّريعَةِ، سَالِكٍ لِلطَرِيقَةِ، ذَائِقٍ لِلحَقِيقَةِ، كَامِلِ العَقلِ وَاسِعِ الصَّدرِ، حَسَنِ السِّيَاسَةِ عاَرِفٍ بِطبَقاتِ النَّاسِ مُمَيِّزٍ بَينَ غَرائِزِهِم وَفِطَرِهِم وَأَحوَالِهِم.

أعزاءنا الزوار ,مرحبا بكم، نود ان نلفت إنتباهكم بان تسجيل الدخول بعضوية ضروري
لتتمكن من مشاهدة المواضيع الحصرية , فنرغب منكم ان تشاركونا بمشاركاتكم و مواضيعكم !
تفضلوا بالتسجيل
أزرق طيبة

الطريقة القادرية العركية


    الحقيقة المحمدية

    شاطر
    avatar
    الباقر الشريف
    عضو

    عدد المساهمات : 28
    تاريخ التسجيل : 02/12/2012

    الحقيقة المحمدية

    مُساهمة  الباقر الشريف في الإثنين فبراير 03, 2014 4:34 am


          بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صلى وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه

    الحقيقة المحمدية

            الحقيقة المحمدية  هذه العبارة تتألف من مفردتين :  الحقيقة  و  المحمدية  ، فأما المفردة الأولى فإن معناها العام : هو كنه الشيء وذاته أو كما يقال ( ماهيته( ، وأما المفردة الأخرى فتشير إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون معنى العبارة كاملة هو : الكنه أو الماهية الذاتية للرسول محمد . صلى الله عليه وسلم

           إن هذا المعنى لهذه العبارة يبعدنا - ولو شكلياً – عن الجانب الصوري أو المظهري للرسول محمد ويجعلنا نركز على الجانب المعنوي له أو البعد الآخر .

    ولتوضيح ذلك نأخذ على سبيل المثال  الإنسان  لنرى الفرق بين صورته وماهيته، فلو أننا نظرنا إليه من حيث بعده الصوري أو المظهري لوجدنا أنه يتكون من لحم ودم وغيرها من الأمور البايلوجية الحية بما تنطوي عليه من عناصر كيمياوية متداخلة ، التي يمكن دراستها ومحاولة اكتشاف خصائصها بواسطة التجارب والاختبارات العلمية أو المعملية ، ولكن حين ننظر إلى الإنسان من حيث البعد الجوهري له الذي خلقه عليه الحق تعالى نجد أنه يتكون من  طين  نفخ فيه   الروح  بحسب ما يصفه لنا كلام الله تعالى . وعلى هذا يكون الأصل الماهوي للإنسان من حيث البعد القرآني هو  الطين والروح  .

    هذا الأصل الماهوي هو الذي يعبر عنه بحقيقة الشيء أوكنهه ، فهو يمثل هنا ما يعرف اصطلاحاً بـ  الحقيقة الإنسانية  .
           وعلى هذا فما يراد بالحقيقة المحمدية هو : الجانب الماهوي منها لا الصوري المظهري ، فما هي الحقيقة المحمدية  أو ماهوية سيدنا محمد  ؟ وهل تختلف عن الماهية الإنسانية الاعتيادية ؟

        لو عدنا إلى القرآن الكريم الذي أخبرنا أن الماهية الإنسانية تعود إلى  الطين  لوجدناه يخبرنا أن ماهية سيدنا محمد   لا تعود إلى هذا الأصل ، بل تعود إلى محض النور الإلهي المطلق ، يقول تعالى:  قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نورٌ وَكِتابٌ مُبينٌ . يَهْدي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ  -  المائدة : 15 – 16.

        فلنتأمل قوله تعالى : مِنَ اللَّهِ نورٌ  والذي يعني أنه نور من نور الله تعالى ، تمثل وتجسد بهيئة الرسول محمد ، كما تمثل جبرائيل عليه السلام بهيئة البشر السوي لمريم (عليها السلام) . فلا فرق بين تمثل الطين وتجسده بهيئة الإنسان السوي وبين تمثل النور الإلهي بهيئة الرسول محمد .

    فهذه هي حقيقة محمد : أنه نور محض تكثف وتجسد بإذن الله تعالى حتى ظهر بالصورة النبوية في وقت معلوم رحمة للعالمين ، وتلطف عن رؤية الأنظار حين انتهى وقت ذلك الظهور حتى عاد إلى حالته المطلقة
           أجمع العلماء والمتكلمون على أن النور هو الظاهر بنفسه المظهر لغيره وأجمعوا على أنه قسمين:
         نور حسي ظاهري وبه يدرك البصر الأشياء من المبصرات ، ونور معنوي باطني وبه تحيى القلوب ، وتهتدي البصيرة ، وتستضيء النفس ، ويسير به الإنسان في ظلمات الجهل والمادة ، ويسلك به الصراط المستقيم ، قال تعالى:         أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّه  الرمز : 22  .

        وقد أطلقت كلمة النور في القرآن الكريم على معان عدة منها : لتدل على القرآن الكريم ، كما في قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَه     الأعراف : 157 )، وقوله تعالى : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا   التغابن : 8  .
        كما وأطلقت لتدل على ما انزل على سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من الأحكام والإرشادات والتوجيهات : قال تعالى : يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ  .

    وأطلقت على الفطرة أيضاً ، قال تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ
    مِنْ نُورٍ ( النور : 40  .

    ومن المعاني الأخرى : أنه صفة الله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  النور : 35  .

           وأُطلقت على سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم كما في قوله تعالى : )قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ( المائدة : 15 ) ، وقوله تعالى: (وَسِرَاجاً مُنِيراً ( الأحزاب : 46  . ولاختلاف المصادر اختلف العلماء والمفسرون في المراد به ، فقيل : أنه النعم الثلاث التي خُص بها العباد : وهي الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ، والقرآن الكريم ، والعقل ، وقل غير ذلك .

         والحق فإن المراد به هو جميع ما تقدم ، فهو صفة الله تعالى والرسول صلى الله تعالى عليه وسلم والقرآن العظيم والإسلام والعقل والفطرة ... فهو واحد في أصله متكثر بمظاهره ، كتغيير ضوء الشمس عندما يظهر بألوان متعددة حين يمر بالزجاج المختلف الألوان .
          إن النور واحد في جوهره ، متعدد في أعراضه وأغراضه ، ومن أغراضه ما ذهب إليه الطبري وابن كثير ، من أن النور يهدي النفس إلى الاتجاه نحو الأيمان ، قال تعالى : (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ )( الحجرات : 7  ، ومنها : ما ذهب إليه المفسر الكبير فخر الدين الرازي من أنه يكشف فيميز الخبيث من الطيب ، أو بالأصح يساعد على التمييز بين المتناقضات .

    ومنها : أن فيه قوة تحرك المخلوق على زيادة أعمال الخير ، فإن الزيادة في عمل الطاعات تعني الزيادة في استمداد النور تدعيماً لتقوى النفس ، ويأتي هذا من صدق المخلوق مع نفسه وربه ، فإن كان صادقاً شمله الله تعالى برعايته وزاده من نوره الذي يشرق على قلب العبد ، فيزيده ابتهاجاً وسروراً لما يراه من الحقائق الإلهية ، فهو الهادي والكاشف لهذه الحقائق .
          فبالنور تكتمل الأشياء معرفياً لاستحالة اكتمال الشيء من ذاته ، ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى في المخلوقات نور الفطرة ، وبه تسعى للحصول على المزيد منه لكي ترقى له تعالى .

         أن النور في أصله صفة أزلية قائمة بالذات الاحدية ، وبواسطته أظهر الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض من العدم إلى الوجود , لأن النور إذا تجلى على شيء أو في شيء أظهره ، قال تعالى : (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض (، وبواسطة هذا النور اكتسبت جميع الممكنات مظاهرها الوجودية والمعرفية ، فكان النور للوجود كالروح للجسد ، فصفة النور : هي مبدأ الخلق والإيجاد والظهور والمعرفة لجميع الممكنات .
        قال صلى الله عليه وسلم  )أول ماخلق الله تعالى نوري) الحافظ السيوطي في الحاوي، من ذلك النور تفرعت الأنوار وتطورت الأطوار ، ثم إن النور هو عبارة عما يستضاء به ، إما باعتبار المحسوسات أو باعتبار المعقولات ، فالأول مجلى الظواهر والثاني مجلى السرائر، والأول مطمح الأبصار والثاني مطمح البصائر ، والمتبادر فهمه ما استنارت به الظواهر مع أنه فرع بالنسبة لما انطوى في غيب السرائر ، وكيفما تشعبت الأصول وتفرعت الفروع إلا ومرجعها للنور المفرد (الله نور السماوات والأرض)  سورة النور (35) ." وهذا هو النور المجرد ، وأما النور الإضافي المعبّر عنه بمحمد فقد مثّله بقوله  ) مثل نوره كمشكاة ( فنوره هو محمد ، فلهذا وقع التشبيه على المضاف لا على المضاف إليه الذي هو النور الأول، فسلمت من ذلك مرتبة التنريه من أن يمسسها تشبيه ، وإن كان التنزيه عين التشبيه من حيث )  فأينما تُولّوا فثَمّ وجهُ الله) سورة البقرة (115 ( فلا بد من أخذ المقام مقتضاه ، ولو وقع التشبيه على النور المجرد لاستغنى بذكر الضمير عن ذكر المضاف والمضاف إليه ، ولقال أيضاً كمصباح لوجود المناسبة بين المصباح والنور ، وأيضاً للزم عن ذلك انحصار البطون في الظهور ، وتكون المشكاة والزجاجة غير النور ، والحالة أنهما نورعلى نور، فاتحد بهذا الاعتبار المشبه والمشبه به في وجود النور ، وإلى الله تصير الأمور ، فاتضح لنا من أنه تعالى نور مجرد عن المادة والإضافة والنسب أي ليس كمثله شيء ، ومثل نوره المتنزل به المسمى بمحمد المضاف لذلك النورالمجرد كمشكاة فيها مصباح من سر الله للزوم قيوميته بكل جوهر وعرَض) الله نور السماوات والأرض ( فالمشكاة لها أوفر نصيب من نور الله ) ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) النساء (80) والملخص من ذلك : أن ما تكشف من النور المحمدي أشار له بالمشكاة ، وما تلطف منه أشار له بالزجاجة ، وما وراء ذلك أشار له بالمصباح ، فالمصباح هو نورٌ للزجاجة والمشكاة و) الله  نور السماوات والأرض ( ورد في الخبر ( أن الله تعالى خلق الخلق في ظلمات ثم رش عليهم من نوره) الترمذي الحكيم، أي قدّر خلقهم في سابق علمه ثم أفرغ عليهم من وجوده.

      ومحصّل الأمر أن جميع ما تدفق من الفيض الأقدس المتنوع بالمعنى والحس أساسه النور المحمدي ، ومنه تشعبت سائر الأنوار التي من بعضها السماوات والأرض ، ولا نستبعد ما نراه من صلابة الحس أن يكون ذلك بعضاً من شعاع حضرة القدس ، فالتغير واقع من ضعف الإبصار ، وبانتفاء النقص عن المؤثر ينتفي عن الآثار ، فالتفتْ للنشأة الأصلية التي هي نور على نور و) ارجع البصر هل ترى من فطور) سورة الملك ، كلاّ لا تجد إلا بطوناً وظهورا ، ذلك الظهور هو المعبّر عنه بالنور ، فمن اهتدى إليه فقد اهتدى " يهدي الله لنوره من يشاء، سئل صلى الله عليه وسلم هل ترى ربك ؟ فقال : " نوراً أراه " رواه مسلم.

        وذلك النور هو المانع من ادراك الكنهية ، فحجابه تعالى هو ظهوره ، فمن شدته اختفى ، جاء في الخبر (حجابه النور) رواه مسلم، فبسبب ظهور النور الإضافي احتجب المجرد ، ولا يُرى النور إلا في النور ، ولا يُدرَك البطون إلا في الظهور ، قال صلى الله عليه وسلم ( من رآني فقد رأى الحق) رواه البخاري، أي من عرفني فقد عرف الحق ، ولا يعني برؤيته الذات المسماة بمحمد بن عبد الله ، بل يومئ لحقيقته المتدفقة من بحار عظمة الذات لأنها محل ظهوره تعالى ، قال في بعض كلامه ( لا يسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن  ) المناوي في فيض القدير- وذلك القلب المتجلي بسائر النفوس ) ما خلْقُكم ولا بعثُكم إلاّ كنفسٍ واحدة   ( لقمان (28 (فمن عرف هذه النفس وشهد المعنى في الحس لا يعدم حظه من شعاع حضرة القدس ، ولم يوجد ذلك إلا في خصوص أفراد بما جعله الله فيهم من الاستعداد زيادة عن صفة الإدراك المشترِك فيهما عمومُ العباد ومنهم الأنبياء وخاصة الخاصة من الأولياء ، ولهذا امتدح مقام النبوة بأنه عليه الصلاة والسلام المتحقق في عالمي البطون والظهور بمعاني الأسماء والصفات ، فبهذا الاعتبار يكون هو المتحقق الواحد على الوجه الأكمل ، وأما ما عداه فبالإضافة والإرث( العلماء ورثة الأنبياء) رواه ابن حبان في صحيحه.

    صلاتك رب والسلام على النبي
               صلاة لها ريح من المسك أطيب
    بأحمد كل الأرض نارت وأشرقت
                    ففي نوره كلّ يجيء ويذهب
    بداه جلال الحق للخلق رحمة
                         فكل الورى في برّه يتقلب
    بدا مجده من قبل نشأة آدما
                       وأسماؤه من قبل في العرش تُكتب
    بمبعثه كل النبيين بشرت
                        ولا مرسل إلا به كان يخطب
    بتوراة موسى نعته وصفاته
                     وإنجيل عيسى في المدائح يُطْنِبُ
    بشير نذير مشفق متعطف
                      رؤوف رحيم محسن لا يُثَرِّبُ
    نبينا أعلى نبي وأرفع

    إن معرفة حقيقة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عجز عنها سائر البرية. وقد قال صلى الله عليه وسلم :'' يا أبا بكر والذى بعثنى بالحق بشيراً ونذيراً لم يعلم حقيقتى غير ربى ".

            روى الترمذي والدارمى وبن كثير في البداية والنهاية عن أبى ذرالغفارى رضى الله عنه قال: (قلت يارسول الله كيف علمت أنك نبىٌّ حتى استيقنت؟ قال : يا أبا ذر أتانى ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة فوقع أحدهما إلى الأرض وكان الآخر بين السماء والأرض ، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ فقال: نعم . قال : فزنه برجل. فرجحته. ثم قال: زنه بعشرة . فرجحتهم . ثم قال : زنه بمائة فرجحتهم. قال: زنه بالف .فرجحتهم. قال صلى الله عليه وسلم : كأنى أنظر إليهم يُنثَرونَ علىَّ من خفة الميزان. فقال أحدهما لصاحبه: لو وزنته بأمته كلها لرجحها.) هذه هي المثلية في أوضح معانيها.

         فهو صلى الله عليه وسلم طلسمُ السرالمكنون لا يطَّلع عليه إلا الله سبحانه وتعالى . قال تعالى: }وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} -الأحزاب 46. }يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّم كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ } المائدة 15

     وما أدرك المسلمون إلا ظاهر صورته المحمدية. وهى التى عبَّر عنها سيدى أويس القرنى بالظل . أما حقيقته وسرُّه صلى الله عليه وآله وسلم فهو أمر انفرد به الحق عز وجل ، أما كونه صلى الله عليه وسلم أول الخلق على الإطلاق فقد أشارت الآيات، والأحاديث إلى هذه الحقيقه، ويحتج المعترضون على كون سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أول الخلق فى عالم النور والأرواح ، ويستدلون فى اعتراضهم بالآيات القرآنية والأحاديث والشريفة التى جاءت فى وصف حضرته بالبشرية ولوازمها، قال تعالى :}قل إنما أنا بشر مثلكم} (الكهف 110)، ويقولون إنه بشر مثلنا فكيف يكون نوراً، وغاب عنهم أن البشرية أتم مراتب الكمال الإنسانى ، فهى التى قبلت النور ونفخ الروح فيها، وقالوا ما الفخر الا بالجسوم فإنها مولِّدة الأرواح ناهيك من فخر من وقفوا مع بشريته صلى الله عليه وآله وسلم وغفلوا تماما عن عالم الأرواح فى قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم}. فلا بد أن يكون لعالم الأرواح أصل وحقيقة، كما لابد أن يكون لعالم الأجساد أصل إذا قلنا أصل الأجساد سيدنا آدم فليس فى ذلك خلاف فلا بد أن يكون عالم الأرواح أصلا وهو عالم النور ، والذين يقفون مع بشرية النبى فهم بهذا المفهوم يقولون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثلنا ونحن مثله وهذا يؤدى إلى الخلط والعياذ بالله ، وعليه يبرز أمامنا سؤال هل يوجد فى الصنف البشرى اثنين خلقهم الله متحدين فى أى شئ ؟ فى الشكل ؟ فى الصوت فى الإدراك فى الإحساس فى الذوق فى التذوق ؟ فى الطبع وهذا لم يتوافر فكيف حكمت بالمثلية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ألم يقرأوا قول الحق سبحانه وتعالى {انظر كيف فضَّلنا بعضهم على بعض} فلابد من التفضيل ولابدَّ من التمييز .

        وإذا كان لابد من القياس فيجب أن نقيس بما قاس به الحق سبحانه وتعالى ، فاذا قلنا أعلى درجة فى التفضيل بين الأجناس نقول الصنف البشرى ثم من الجنس البشري نقول الأولياء والصالحون وأعلى درجة فى التفضيل بين الأولياء نقول الأنبياء والمرسلون وأعلى درجة فى التفضيل بين الأنبياء والمرسلين نقول أولو العزم من الرسل ، وأعلى درجة في التفضيل بين أولي العزم من الرسل نقول هو النبى صلى الله عليه وسلم فهذا هو القياس الصحيح هذا هو الأمر الواضح الذى لا يزيغ عنه إلا كل هالك .

          فقد أجمع العلماء على أن النبى صلى الله عليه وسلم له الأفضلية والمزية على كل صورة ظهرت فى عالم الأحياء وفى عالم الأرواح وعالم النور ويقول بعض المعترضين: كيف قلتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول الخلق رغم ان الاحاديث الصحيحة فى البخارى ومسلم وفى الجامع الكبير ومسند الامام احمد ورد بانه صلى الله عليه وآله وسلم لما سئل عن أول ما خلق الله . قال: الماء وسئل ومرةً اخرى عن اول ما خلق الله فقال : القلم الاعلى وسئل مرة اخرى فقال : أول ما خلق الله العقل الاول .

        نقول نعم كل ماذكر صحيح وورد ايضاً كما روى الامام احمد عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم كنت نوراً بين يدى ربى قبل خلق آدم باربعة عشر ألف عام وكذلك رواه الامام الترمذى وغيره عن أبى هريرة رضى الله عنه قال . قالوا يا رسول الله متى وجبت لك النبوة ؟ قال : وآدم بين الروح والجسد . وكذلك ما جاء فى مسند الإمام احمد عن ابى هريرة رضى الله عنه . قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم : إنَّ رب العزة خاطبه فقال): لولاك لولاك ما خلقت الافلاك) . وروى الامام البيهقى وابن عساكر عن سيدنا عثمان بن ابى العاص رضى الله عنه قال:( حدثنى امي أنها شهدت ولادة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قالت: فما شئ انظر اليه فى البيت إلا نوراً اضاء البيت والدار حتى جعلنا لانرى الا نوراً) .

        والاحاديث الوارده فى أنه نور وانه أول الخلق كثيره ؛ قال الامام فخر الدين الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى رضى الله عنه :'' ان كل أولويه ذكرت للقلم او للعقل او للماء إنما هى بالنسبة للعالم التى هى اساس له".

       ولتوضيح هذا الامر نقول مثلاً: اصل الوجود أو أول الايجاد لعالم الدنيا هو سيدنا آدم . فأوَّلية سيدنا ادم مقيدة بعالم الدنيا من حيث الصورة البشرية فهو أول ، ولكن عالم العناصرالتي هي التراب والماء والهواء والنار. له أولية قبل ظهور سيدنا آدم  . لان التراب اصل الإيجاد قبل ظهور الجسد {انى خالق بشراً من طين} فالطين له أولية ايضاً . ولكن الدنيا الارضين والسماء اين حقيقتها ومن اين شيء كانت. اسمع الى قوله تعالى : { او لم ير الذين كفروا أن السماء والارض كانتا رثقاً ففتقناهما } فالسماء والارض كانت شيئاً واحداً فلها أولية بهذا الاعتبار وباختصار شديد فالقلم الأعلى اول عالم التدوين قد حصر ما يجرى فى الوجود وكذلك العقل الاول هو أول بالنسبة لعالم المعانى والادراكات وكذلك الماء أول بالنسبه للحياه التى هى قوام كل صوره وهو هنا بمعنى الروح.

          فعندما يقول النبىُّ صلى الله عليه وآله وسلم . أول ما خلق الله القلم ، أول ما خلق الله العقل ، أول ما خلق الله العرش، فكل شئ أول لعالمه ، ولكن أولوية كل هذه العوالم مطلقة وأصلها هو النبى صلى الله وعلى آله وسلم فهى الاولية جامعة لكل أولية مذكورة فى الاحاديث التى سبق ذكرها .

        يقول الشيخ عبد الكريم الجيلي ( قدس الله سره)  (إنه صلى الله تعالى عليه وسلم أفضل العالم وأشرف الخلق بالإجماع ، لكونه مخلوقاً من نور الذات الإلهية ، وما سواه فإنما هو مخلوقٌ من أنوار الأسماء والصفات ، فلأجل ذلك كان صلى الله تعالى عليه وسلم  أولُ مخلوقٍ خلقه الله تعالى . فكما أن الذات مقدمةٌ على الصفات، فمظهرها أيضاً مقدم على مظهر الصفات ، وقد أخبر عن نفسه في حديث جابر فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : (أول ما خلق الله روح نبيك يا جابر ثم خلق العرش منه ثم خلق العالم بعد ذلك منه )- (انظر كشف الخفاء للعجلوني رقم الحديث827 )  وقد رتب خلق العالم في ذلك الحديث من أعلاه وأسفله ، والسر في ذلك : أن الذات سابقة الوجود في الحُكم على الصفات ، وإلا فلا مُفَارقة بين الصفات والذات , لأن السبق إنما هو في الحُكم لا في الزمان , لأن الصفات لابُد لها من ذاتٍ أقدم في الوجود ، فكان رسول  أقدم في الوجود , لأنه ذاتٌ محض والعالم جميعه صفات تلك الذات ، وهذا معنى خلق الله العالم منه . وروح محمد صلى الله تعالى عليه وسلم  هو المعبر عنها : بالقلم الأعلى ، وبالعقل الأول لبعض وجوهه ، ومن هذا المعنى ورد قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : (أول ما خلق الله القلم ( ، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم  : (أول ما خـــلق الله روح نبيــك يــــا جـــــابر (، ولو لم تكن الثلاثة أشياء عبارة عن وجود واحد هو روح سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، لكان التناقض لازماً في هذه الثلاثة أخبار وليس الأمر كذلك ، بل هي جميعها عبارة عنه ، كما يعبر عن قلم الكتابة باليراعة تارة ، وتارة بالآلة ، وتارة بالقلم كل ذلك لوجوهه من غير زيادة ونقص .

         فرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : هو الذاتي الوجود ، وما سواه فصفاتي الوجود : وذلك أن الله تعالى لما أراد أن يتجلى في العالم اقتضى كمال الذات أن يتجلى بكماله الذاتي بأكمل موجوداته في العالم ، فخلق محمداً صلى الله تعالى عليه وسلم من نور ذاته لتجلي ذاته , لأن العالم جميعه لا يسع تجليه الذاتي , لأنهم مخلوقون من أنوار الصفات ، فهو في العالم في منـزلة القلب الذي وسع الحق ، وإلى هذا أشار صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله : (إن يس قلب القرآن ( ، سنن الدارمي- ويس اسمه صلى الله تعالى عليه وسلم : أراد بذلك أن النبي بين القلوب والأرواح وسائر العوالم الوجودية بمنزلة القلب من الهيكل وبقية الموجودات كالسماء والأرض لم تسع الحق . قال تعالى على لسان نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم : (ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن )   جامع العلوم والحكم.



       وأخرج البخاري في تاريخه الصغير من طريق علي بن زيد قال: كان أبو طالب يقول:

    وشق له من اسمه ليجلـــه       ففى العرش محمود وهذا محمد


         وقد سماه الله تعالى بهذا الاسم قبل الخلق بألفي ألف عام، كما ورد في حديث أنس بن مالك، من طريق أبي نعيم في مناجاة موسى، وروى بن عساكر عن كعب الأحبار قال: إن الله أنزل على آدم عصياً بعدد الأنبياء والمرسلين. ثم أقبل على إبنه شيث فقال: أي بني أنت خليفتي من بعدي، فخذها بعمارة التقوى،والعروة الوثقى، وكلما ذكرت الله فاذكر إلى جنبه اسم محمد، فإني رأيت اسمه مكتوباً على ساق العرش، وأنا بين الروح والطين، ثم إني طفت السموات فلم أر في السموات موضعاً إلا رأيت إسم محمد مكتوباً عليه، وإن ربي أسكنني الجنة فلم أرَ في الجنة قصراً ولا غرفة إلا إسم محمد مكتوباً عليه،ولقد رأيت اسم محمد مكتوباً على نحور الحور العين، وعلى ورق قصب آجام الجنة، وعلى ورق شجرة طوبى،وعلى ورق سدرة المنتهى، وعلى أطراف الحجب، وبين أعين الملاكة، فأكثر ذكره فإن الملائكة تذكره في كل ساعاتها.

    بدا مجده من قبل نشـــأة آدم    +  فأسماؤه في العرش من قبل تكتب

        ثم إن في اسمه محمد خصائص: منها: كونه على أربعة أحرف ليوافق اسم الله تعالى اسم محمد، فإن عدد حروف الجلالة على أربعة أحرف كمحمد، ومنها: أنه قيل: إن مما أكرم الله به الآدمي أن كانت صورته على شكل كتب هذا اللفظ، فالميم الأول رأسه، والحاء جناحاه،والميم سرته والدال رجلاه
    ومنها: أنه تعالى اشتقه من اسمه المحمود كما قال حسان بن ثابت:

    أغر عليه للنبوة خاتــــــم         من الله نور يلوح ويشهـــد

    وضم الإله اسم النبي إلى اسمـه         إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

    ونختم بحديث مسند عبد الرزاق عن سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه (ما هو أول شئ خلقه الله ؟ فقال صلى الله عليه وسلم نور نبيك ياجابر) وهو الحديث الذي بدأ به صاحب السيرة الحلبية سيرته.


    اللهم صلى وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه


      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء سبتمبر 20, 2017 3:43 am