أزرق طيبة

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلى وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه

لتَكُن لَكَ -أيُّها الزائر - عِنايَةٌ تَامَّةٌ بِصُحبةِ الأَخيارِ وَمُجالَسَةِ الصَّالِحينَ الأَبرارِ. وَكُن شَديدَ الحِرصِ علَى طَلبِ شَيخٍ صَالِحٍ مُرشِدٍ نَاصِحٍ، عَارِفٍ بِالشَّريعَةِ، سَالِكٍ لِلطَرِيقَةِ، ذَائِقٍ لِلحَقِيقَةِ، كَامِلِ العَقلِ وَاسِعِ الصَّدرِ، حَسَنِ السِّيَاسَةِ عاَرِفٍ بِطبَقاتِ النَّاسِ مُمَيِّزٍ بَينَ غَرائِزِهِم وَفِطَرِهِم وَأَحوَالِهِم.

أعزاءنا الزوار ,مرحبا بكم، نود ان نلفت إنتباهكم بان تسجيل الدخول بعضوية ضروري
لتتمكن من مشاهدة المواضيع الحصرية , فنرغب منكم ان تشاركونا بمشاركاتكم و مواضيعكم !
تفضلوا بالتسجيل
أزرق طيبة

الطريقة القادرية العركية


    أصالة واستقلال الرّوح

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 34
    تاريخ التسجيل : 01/12/2012

    أصالة واستقلال الرّوح

    مُساهمة  Admin في الأحد يناير 26, 2014 9:53 am

    أصالة واستقلال الرّوح
    وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّـِى وَمَا أُوتِيتُم مّـِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا

    يُظهر تأريخ العلم والمعرفة الإِنسانية أنَّ قضية الروح وأسرارها الخاصّة كانت محط توجَّه العلماء، حيث حاول كل عالم الوصول إِلى محيط الروح السري. ولهذا السبب ذكر العلماء آراء مُختلفة وكثيرة حول الروح، و لا بدَّ من ذكر ملاحظة هامّة، وهي أن تعلق الروح بجسم الإِنسان ليست ـ وكما يظن البعض ـ مِن نوع الحلول، وإِنّما هي نوع مِن الإِرتباط والعلاقة القائمة على أساس حاكمية الروح على الجسم وتصرفها وتحكمها به، حيثُ يشبهها البعض بعلاقة تعلق المعنى وارتباطه باللفظ.

    ومِن الممكن أن تكون علومنا ومعارفنا اليوم ـ وكذلك في المستقبل ـ قاصرة عن التعرف على جميع أسرار الروح والإِحاطة بتفصيلاتها، بالرغم مِن أنَّ روحنا هي أقرب شيء لدينا مِن جميع ما حولنا. وبسبب الفوارق التي تفصل بين جوهرة الروح وبين ما نأنس بهِ مِن عوالم المادة، فإِنّنا لن نحيط بأسرار وكنه الروح، أعجوبة الخلق، والمخلوق الذي يتسامى على المادة ولكن كل هذا لا يمنعنا مِن رؤية أبعاد الروح بعين العقل، وأن نتعرف على النظم والأُصول العامّة الحاكمة عليها.
    إِنَّ أهم أصل يجب أن نعرفُه هو قضية أصالة واستقلال الروح، في مقابل آراء المذاهب الوضعية التي تذهب إِلى مادية الروح، وأنّها مِن افرازات الذهن والخلايا العصبية ولا شيء غير ذلك!


    لا يشك أحدٌ في أنَّ الإِنسان يختلف عن الحجارة والخشب، لأنّنا نشعر ـ بشكل جيِّد ـ بأنّنا نختلف عن الجمادات، بل وحتى عن النباتات، فنحن نفهم ونتصوّر ونصمِّم، ونريد، ونحب، ونكره، و ... ألخ.

    إِلاَّ أنَّ الجمادات والنباتات ليس لها أيّ مِن هذه الإِحساسات، لذلك فثمّة فرق أساسي بيننا وبينها ويتمثل في امتلاكنا للروح الإِنسانية.

    ثمّ إِنَّهُ لا الماديون ولا أي مجموعة فكرية مذهبية أُخرى تنكر أصل وجود الروح، ولذلك يعتبرون علوماً مِثل علم النفس (سيكولوجيا)، وعلم العلاج النفسي (بسيكاناليزم) مِن العلوم المفيدة والواقعية، وهذين العلمين بالرغم مِن أنّهما يعيشان مراحل طفولتهما بلحاظ بعض العوامل والقضايا، ولكنّهما مع ذلك يدخلان اليوم ضمن المناهج الدراسية في الجامعات، حيث يقوم أساتذة كبار بالبحث والتحقيق فيهما، وكما سنلاحظ، فإِنَّ النفس والروح ليستا حقيقتين مُنفصلتين، بل هما مراحل مُختلفة لحقيقة واحدة.

    وإِنّنا هُنا سنطلق كلمة (النفس) عندما يتعلق الحديث بالإِرتباط بين الروح والجسم والتأثير المتبادل لكل مِنهما على الآخر. أمّا عندما يكون الحديث عن الظواهر الروحية مع غض النظر عن البدن فإِنّنا سنطلق عليها كلمة (الروح).

    وخلاصة القول: أنّه أحد يستطيع أن ينكر حقيقة وجود الروح والنفس عندنا.

    إِنَّ العلماء الإِلهيين والفلاسفة الروحيين يعتقدون بأنَّ الإِنسان وبالإِضافة إِلى المواد التي تدخل في تشكيل جسمه، ينطوي وجوده على حقيقة جوهرية أُخرى لا تتجلى فيها صفات المادة، وإِن جسم الإِنسان يخضع لتأثيرها بشكل مُباشر وفاعل.

    إِنَّ العلماء الإِلهيين والفلاسفة الروحيين يعتقدون بأنَّ الإِنسان وبالإِضافة إِلى المواد التي تدخل في تشكيل جسمه، ينطوي وجوده على حقيقة جوهرية أُخرى لا تتجلى فيها صفات المادة، وإِن جسم الإِنسان يخضع لتأثيرها بشكل مُباشر وفاعل.
    وبعبارة أُخرى، فإِنَّ الروح هي حقيقة من حقائق ما وراء الطبيعة (أي ميتافيزيقية) حيث أنَّ تركيبها وفعاليتها تختلف عن تركيب وفاعلية عالم المادة; صحيح أنّها مرتبطة مع عالم المادة، إِلاَّ أنّها ليست مادة ولا تملك خواص المادة.
    في المقابل هُناك الفلاسفة الماديون الذين يقولون: إِنّنا لا نعرف موجوداً مستقلا عن المادة يسمى بالروح، أو أي اسم آخر، وإِنَّ كل ما موجود هو هذه المادة الجسمية و آثارها الفيزيائية أو الكيميائية.

    إِنّنا نملك جهازاً يسمّى (الذهن والأعصاب) وهو يقوم بقسم مهم مِن أعمالنا الحياتية، وهو مثل باقي الأجهزة المادية حيث يخضع في نشاطه لقوانين المادة
    إِنّنا نملك غدداً تحت اللسان تُسمّى الغدد اللعابية والتي تقوم بفاعلية فيزيائية وكيميائية، فعندما يدخل الطعام إِلى الفم تقوم هذه الغدد بالعمل بشكل أوتوماتيكي حيثُ تقوم بإِفراز السائل بالمقدار الذي يحتاجه الطعام حتى يلين ويُمضغ بشكل جيِّد، فهناك ـ أطعمة تحتوي على سوائل وهناك أطعمة قليلة السوائل أو جافّة، وكل نوع مِن هذه الأطعمة يحتاج إِلى مقدار معين مِن هذه السوائل (اللعاب).

    المواد الحامضية تزيد مِن عمل هذه الغدد، خاصّة عندما تكون كثافة الطعام كبيرة، حتى يحصل الطعام على كميّة أكبر مِن السوائل ليلين، ومن ثمّ لا تصاب جدران المعدة بضرر.

    عندما نبلع الطعام ينتهي عمل هذه الغدد والقنوات. وخلاصة القول: إِنَّ هُناك نظاماً عجيباً يتحكم بهذه الغدد والقنوات بحيث أنّها إِذا فقدت تعادلها لمدّة ساعة، فإِمّا أن يسيل اللعاب بشكل دائم عبر الشفتين، أو أن يكون الفم جافاً بحيث لا يمكن ابتلاع الطعام. هذا هو العمل الفيزيائي للعاب، إِلاَّ أنّنا نعلم أنَّ العمل الأهم للعاب هو عمله الكيمياوي، فهناك مواد مُتنوعة مُتداخلة معهُ حيث تتفاعل مع الطعام وتقلل مِن تعب المعدة.

    الماديون يقولون: إِن عقلنا وأعصابنا يشبهان عمل الغدد اللعابية وما شابهها مِن أجهزة الجسم مِن حيث العمل الفيزيائي والكيميائي (حيث يسمّى المجموع فيزيوكيميائي) وهذا العمل الفيزيوكيميائي نحنُ نسمّيه بـ «الظواهر الرّوحية أو (الرّوح).

    الماديون يقولون: عندما نُفكّر تصدر سلسلة مِن الأمواج الكهربائية مِن عقلنا، هذه الأمواج يمكن التقاطها اليوم بواسطة أجهزة خاصّة وتدوينها على الأوراق ودراستها، خاصّة في مستشفيات الأعصاب، حيث يتمّ تشخيص الأمراض العصبية ومعالجتها، وهذه هي الفعالية الفيزيائية لعقلنا.

    إِضافة إِلى هذا، فإِنَّ خلايا العقل عند التفكير، وكذلك عندِ النشاطات العصبية المختلفة، تقوم بمجموعة مِن الأفعال والانفعالات الكيمياوية.

    لذلك فإِنَّ الروح والصفات الروحية ليست سوى الخواص الفيزيائية والأفعال الكيميائية للخلايا العقلية والعصبية.
    إِنَّ الماديين يستفيدون مِن كل هذا العرض لبلورة النتائج التالية:

    1 ـ بما أنَّ نشاط الغدد اللعابية وآثارها المختلفة لم تكن موجودة قبل وجود جسم الإِنسان، بل إِنّها وُجدت بعد وجوده، لذا فإِنَّ النشاطات الروحية تظهر بعد ظهور الدماغ والجهاز العصبي، وتموت هذه الفعاليات بموت الإِنسان.

    2 ـ الروح من خواص الجسم، إِذن فهي مادية وليس لها أي صفات ميتافيزيقية.

    3 ـ الروح خاضعة لجميع القوانين التي تحكم جسم الإِنسان.

    4 ـ ليس هُناك وجود مستقل للروح بدون جسم، ولا يمكن أن يكون ذلك. دلائل
    الماديين على عدم استقلال الروح

    لقد أورد الماديون شواهد لإِثبات دعواهم بأنَّ الروح والفكر وسائر الظواهر الروحية هي قضايا مادية، أي تكون انعكاساً للخواص الفيزيائية والكيميائية للخلايا العصبية والدماغية، ونستطيع أن نشير هُنا إِلى هذه الشواهد مِن خلال هذه النقاط:
    1 ـ «يمكن الإِشارة وبسهولة إِلى تعطُّل قسم مِن الأغراض الروحية عند عطل أو إِصابة قسم مِن المراكز العصبية أو سلسلة مِن الأعصاب»

    فمثلا تمّ إِختبار حالة رُفعَ فيها قسم مِن دماغ الطير، ولم يؤد ذلك إِلى موته،
    بل إِنَّهُ فقد قسماً كبيراً مِن معلوماته، مثلا يفقد شهيته للطعام فإِذا أعطيناه طعاماً فإِنَّهُ يأكلهُ ويهضمه، ولكنّا إِذا لم نعطه ووضعنا الحَب أمامه فإِنَّهُ لا يأكل وسيموت مِن الجوع.

    كما شوهد أنَّ إِصابة دماغ الإِنسان نتيجة للحوادث أو الأمراض ببعض الضربات أو الصدمات، يؤدي إِلى فقدان الدماغ لجزء كبير مِن نَشاطه، حيث ينسى الإِنسان جانباً مِن معلوماته.

    وقد قرأنا قبل فترة في الصحف أنَّ شاباً مُثقفاً من مدينة (الأهواز) الايرانية تعرض لضربة على دماغه في حادثة، فنسي جميع أحداث حياته الماضية حتى أنَّهُ نسي أُمّه وأُخته ونسي نفسهُ وعندما جاؤوا بهِ إِلى بيته والمكان الذي وُلِدَ وترعرع فيه، فإِنَّهُ لم يعرف هذا المكان وبدا فيه غريباً.

    إِنَّ هذه الأُمور وما شابهها تثبت وجود علاقة قريبة بين نشاطات الخلايا الدماغية والظواهر الروحية.

    2 ـ «عندما نفكر تكثر التغييرات المادية على سطح الدماغ .. الدماغ يحتاج إِلى طعام أكثر، ويطرح مواد فسفورية أكثر. ولكن عند النوم فإِنَّ الدماغ لا يقوم بالتفكير، لذا فإِنَّهُ يحتاج إِلى طعام قليل، وهذا يعتبر دليلا على أنَّ الآثار الفكرية للإِنسان تترشح من فعاليات مادية»

    3 ـ تُظهر التجارب أن وزن أدمغة المفكرين هي أكثر مِن الحد المتوسط (الحد المتوسط لدماغ الرجل في حدود (1400) غرام، والحد المتوسط لدماغ المرأة أقل مِن هذا بقليل)، وهذا دليل آخر ـ بزعم الماديين ـ على مادية الروح.

    4 ـ إِذا كانت قوة التفكير والظواهر الروحية دليلا على الوجود المستقل للروح، فيجب أن نقبل ذلك أيضاً في الحيوانات، لأنّها تملك قدرة الإِدراك.

    والخلاصة: إِنّ الماديين في أدلتهم بأننا ندرك ونحس بأنَّ روحنا ليست موجوداً مستقلا، والتطورات المتعلقة بمعرفة الإِنسان ودراسته تُؤيد هذهِ الحقيقة.

    وَمِن مجموع هذه الإِستدلالات، يستنتج هؤلاء أنَّ التقدم الفيزيولوجي الإِنساني والحيواني يوضحان يوماً بعد آخر حقيقة وجود العلاقة القربية بين الظواهر الروحية والخلايا الدماغية. الخطأ الكبير الذي وقع فيه الماديون في أدلتهم واستنتاجاتهم، أنّهم خلطوا بين (وسائل العمل) و (القائم بالعمل).

    ولأجل معرفة هذا الخلط نذكر هنا مثالا للتوضيح نرجو أن يدقق فيه القاريء الكريم جيداً:

    مُنذ زمان غاليلو وحتى يومنا الحاضر، حصل تحوُّل كبير في دراسة حركة الأفلاك والأجرام السماوية، فغاليلو الإِيطالي استطاع وبمعونة أحد صانعي العوينات الزجاجية مِن صناعة مجهر صغير، فطار غاليلو بهِ فرحاً، بحيث أنَّهُ شرَعَ عند المساء بدراسة نجوم السماء بواسطة مجهره الذي أظهر لهُ أوضاعاً عجيبة إِذ أنَّهُ شاهد عالم لم يستطيع أي إِنسان مشاهدته حتى ذلك اليوم. لقد فهم غاليلو أنَّهُ توصِّل إِلى اكتشاف مهم، ومُنذ ذلك اليوم أصبحت دراسة أسرار العالم الأعلى في متناول الإِنسان.لقد كان الإِنسان حتى ذلك اليوم مثل الفراشة التي لم تكن ترى مِن حولها سوى بعض سيقان الشجر، أمّا عندما صنع الإِنسان التسكوب فإِنَّهُ استطاع أن يشاهد مِن حوله مقداراً مِن أشجار الغابة الكبيرة.

    لقد تطّور العمل في التسكوب حتى وصل إِلى وضعه الراهن حيث بنيت مختبرات كبيرة ومراصد جبارة يبلغ قطر عدساتها عدّة امتار لقد نصبت هذه المراصد في أعالي الجبال المرتفعة حيثُ يتميز الأفق بصفاء خاص ممّا يسهل على الفلكيين دراسة النجوم، وبواسطة هذه المراصد الجبارة استطاع الإِنسان أن يُشاهد عوالم أُخرى كان عاجزاً عن مشاهدتها بالعين المجرّدة قبل ذلك.

    والآن لِنتصوّر أن الإِنسان يكون بمقدوره مستقبلا أن يتوصل إِلى صناعة مرصد بقطر (100) متر بحيث يكون حجم الأجهزة المستخدمة فيه بحجم مدينة بكاملها، فما هي يا ترى العوالم التي سوف تنكشف لهُ بواسطة ذلك؟

    والآن نطرح هذا السؤال: لو أخذت مِنّا هذه المجاهر والعدسات، أفلا يتعطَّل قسم مِن معلوماتنا ومعارفنا حول السماوات ... وهل الناظر الأصلي نحنُ أم التلسكوب والمجهر؟
    هل المجهر والتلسكوب وسيلة نستطيع بواسطتها الرؤيا والمشاهدة، أم أنّها هي التي تقوم بالعمل والنظر الحقيقي؟

    وفيما يخصُ الدماغ لا يستطيع أي شخص أن يُنكر أنَّهُ بدون الخلايا الدماغية لا يمكن أن تتمّ عملية التفكير، ولكن هل الدماغ هو وسيلة عمل للروح، أم أنَّهُ هو الروح؟

    وخلاصة القول: إِنّ جميع الأدلة التي ذكرها الماديون تُثبت وجود الإِرتباط بين خلايا العقل والدّماغ وبين إِدراكاتنا، إِلاَّ أنَّ أياً مِنها لا يُثبت أنَّ الدماغ يقوم بالإِدراك، بل أنَّهُ مجرّد وسيلة لذلك.
    وهنا يتّضح لماذا لا يفهم الموتى شيئاً، إِذ أنّهم وبسبب عدم وجود الإِرتباط بين الروح والبدن يعجزون عن ذلك، وبالتالي فإِنَّ الموت لا يعني فناء الروح وانعدامها، ومثل الميت مَثَلُ السفينة أو الطائرة التي عُطّل فيها جهاز اتصالها (اللاسلكي) فالسفينة والطائرة بمن فيهما موجودون إِلاَّ أنَّ اتصالهم مع الساحل أو المطار مقطوع بسبب فقدانهم لوسيلة الإِرتباط والإِتصال.
    أدلة استقلال الروح
    كان الكلام حتى الآن عن الماديين الذين يصرّون على أنَّ الظواهر الروحية هي افرازات لخلايا الدماغ، ويعتبرون الفكر والإِبداع والحب والتنفر والغضب وجميع العلوم، مِثل القضايا المادية التي تخضع لأسلوب العمل المختبري وتشملها قوانين المادة، إِلاَّ أنَّ الفلاسفة الذي يعتقدون باستقلالية الروح ذكروا أدلة قاطعة على نفي هذه العقيدة، منها:

    أوّلا: ادراك الواقع الخارجي
    إِنَّ أوّل سؤال يمكن أن نطرحهُ على الماديين، هو أنَّهُ إِذا كانت الأفكار والظواهر الروحية هي نفسها الخواص (الفيزيكيميائية) للدماغ، ففي مثل هذه الحالة ينبغي أن تنعدم الخلافات والفروق بين عمل الدماغ وبين عمل المعدة أو الكلية أو الكبد، حيثُ أنّ عمل المعدة هو التركيب الأساس ومجموعةُ مِن الفعاليات الفيزيائية والكيميائية، إِذ بواسطة نشاط معين وإِفرازات حامضية تتم عملية هضم الطعام ويصبح جاهزاً للإِمتصاص مِن قبل الجسم. وإِذا كان ا ِفراز اللعاب عملا فيزيائياً وكيميائياً في آن واحد، فإِنّنا نرى أنَّ العمل الروحي يختلف عن هذه الأعمال.
    إِن كل أعمال أجهزة الجسم لها تشابه بدرجة معينة مع بعضها البعض، ما عدا (الدماغ) الذي لهُ وضع استثنائي، إِنَّ أجهزة الجسم مرتبطة جميعاً بجوانب داخلية، في حين أنَّ الظواهر الروحية لها جهة خارجية وتخبرنا عن الواقع الخارجي المحيط بنا.

    ولأجل توضيح هذا الكلام يجب ذكر بعض الملاحظات:
    الملاحظة الأُولى: هل هُناك عالم خارج وجودنا؟
    من البديهي وجود مثل هذا العالم، أمّا المثاليين الذين يُنكرون وجود العالم الخارجي ويقولون بأنَّ كل ما وجود هو (نحن) و (تصوراتنا) ويعتبرون العالم الخارجي مجموعة مِن التصورات والأحلام التي تُشاهد في النوم، فهؤلاء على خطأ، وقد أثبتنا خطأهم هذا في أحد الأبحاث، وأثبتنا أنّه كيف يتحول هؤلاء المثاليون إِلى واقعيين في العمل، إِذ أن ما يفكرون بهِ في محيط مكتباتهم يَنسونَهُ عِندما يتجولون في الشارع ويتنقلون مِن مكان إِلى آخر.

    الملاحظة الثّانية: هل ندرك ونعلم بوجود العالم الخارجي، أم لا؟
    بالطبع الجواب على هذا السؤال بالإِيجاب، لأنّنا نملك معرفة كبيرة عن العالم الخارجي، وعندنا معلومات كثيرة عن الموجودات المحيطة بنا.
    والآن نصل إِلى هذا السؤال: هل هُناك وجود للعالم الخارجي في داخل وجودنا؟
    طبعاً لا، ولكن ارتساماته وصورته منعكسة في أذهاننا حيث نستفيد مِن خاصية (انعكاس الواقع الخارجي) لإِدراك العالم الخارجي.

    هذا الإِدراك الذهني للعالم الخارجي ـ في الحقيقة ـ ليس من الخواص الفيزيكيميائية للدماغ لوحدها، إِذ أنَّ هذه الخواص وليدة إِحساسنا وتأثرنا بالعالم الخارجي، وفي الاصطلاح: فإِنّها معلولة لها. ونفس الشيء يقال بالنسبة لتأثير الطعام على معدتنا، فهل تأثير الطعام على معدتنا والنشاطات الفيزيائية والكيميائية تكون سبباً لمعرفة المعدة بالأطعمة؟

    إِذن كيف يستطيع الدماغ أن يتعرف على عالمه الخارجي؟


    بعبارة أُخرى نقول: في التعرف على الموجودات الخارجية هُناك حاجة إِلى نوع مِن الإِحاطة بها، وهذه الإِحاطة ليست مِن عمل الخلايا الدماغية، إِذ الخلايا الدماغية تتأثر بالخارج فقط، وهذا التأثُر مَثَلَهُ كمثل سائر أجهزة الجسم، وهذا الموضوع ندركهُ نحنِ بشكل جيد.

    وإِذا كان مجرّد التأثُّر بالخارج دليلا على إِدراكنا ومعرفتنا بالواقع الموضوعي الخارجي، فيجب أن تتساوى في ذلك معدتنا ولساننا وأن يكون لها
    نفس قابلية الفهم، في حين أنّنا نعرف أنَّ واقع الحال ليس كذلك. وخلاصة القول: إِنَّ الوضع الإِستثنائي لإِدراكنا دليل على أنَّ هُناك حقيقة أُخرى كامنة فيها، بحيث أنَّ نظامها والقوانين المتحكمة فيه تختلف عن القوانين والنظم الفيزيائية والكيميائية. ثانيا من ادلة استقلال الروح

    الدليل الآخر على استقلال الروح وتمايزها هو مسألة وحدة الشخصية في طول عمر الإِنسان.
    إِذا أردنا نشك في كل شيء، فإِنّنا لا نستطيع أن نشك في موضوع وجودنا (أي مقولة: أنا موجود) وليس ثمّة شك في وجودي وفي علمي بوجودي أو ما يصطلح عليه بـ «العلم الحضوري» وليس «العلم الحصولي» أي أنّني موجود عند نفسي وغير مُنفصل عنها.

    على أي حال إِنَّ معرفتنا بأنفسنا من أوضح معلوماتنا، ولا تحتاج إِلى استدلال وإثبات.

    أمّا بالنسبة للإِستدلال المشهور الذي استدَّل به الفيلسوف الفرنسي ديكارت حول وجوده، والذي يقول فيه (بما أنّني أفكر فإِذن أنا موجود) فهو استدلال زائد وغير صحيح، لأنّهُ قبل أن يثبت وجوده اعترف مرِّتين بوجوده (المرَّة الأُولى عِندما يقول: إِنّني، والثّانية عندما يقول: أنا) هذا مِن جانب.

    ومِن جانب ثان فإِنّ (إِنّني) هذه منذ بداية العمر حتى نهايته واحدة فـ (إِنّني اليوم) هي نفسها (إِنّني بالأمس) وهي نفسها (إِنّني مُنذ عشرين عاماً( فـ (أنا) مُنذ الطفولة وحتى الآن تعبير عن شخص واحد لا أكثر، إِنّني نفس ذلك الشخص الذي كُنت وسأبقى إِلى آخر عمري نفس ذلك الشخص، وليس شخصاً آخر، طبعاً خلال هذه الفترة يكون الإِنسان قد درس وتعلم ووصل إِلى مراحل عالية في العلم، ولكن في جميع الأحوال يبقى هو هو، ولا يصبح إِنساناً آخر، وهكذا في تعامل الآخرين معه حيث يعتبره الآخرون شخصية واحدة منذ أوّل حياته وإِلى آخر لحظة فيها باسم واحد وجنسية معينة
    والآن لِنرى ما هو هذا الكائن المتوغّل في اعماقنا؟
    فهل هو ذرات وخلايا جسدنا ومجموعة الخلايا الدماغية وتأثيراتها؟
    إِنَّ كل هذه الأُمور قد تغيَّرت على مدى عمرنا عِدَّة مرّات، تقريباً في كل سبع سنوات مرَّة واحدة، حيثُ نعرف أنَّهُ في كل يوم تموت ملايين الخلايا في جسدنا لتحل محلها ملايين أُخرى جديدة، ومثلها في ذلك مثل البناء الذي يتمّ إِخراج الطابوق القديم مِنهُ ووضع طابوق جديد في مكانه فلو استمر التعمير في هذا البناء فإِنّ البُنية الأساسية لن تتغير، ولكن يبقى البيت هو نفس ذاك البيت برغم أنَّ الناس السطحيين لا يلتفتون لذلك. ومثل خلايا الجسم التي تموت وتحيا كمثل المسبح الكبير الذي يدخلهُ الماء ببطء ويخرج مِن طرف آخر. طبيعي أنَّ ماء هذا المسبح سيتغير بعد مدّة بشكل كامل بالرغم مِن عدم التفات الناس إِلى ذلك، إِذ يظنون أنَّ ماء المسبح ما زال على حاله لم يتغيَّر.

    وبشكل عام، إِنَّ كل موجود يحصل على الطعام ومِن جانب ثان يستهلك هذا الطعام، فإِنَّهُ في الواقع يتجدَّد ويتغَّير بالتدريج.
    لذا فإِنَّ إِنساناً في السبعين مِن عمره لا يبعد أن يكون جسمه قد تغَّير عشر مرات، وإِذا كانَ الأمر كما يقول الماديون، مِن أنَّ الإِنسان هو نفس جسمه وأجهزته الدماغية والعصبية وخواصه الفيزيائية والكيميائية، ففي هذه الحالة يجب أن يكون الـ (أنا) قد تغيّر عشر مرات خلال هذه السنوات السبعين! ولهذا يكون هذا الإِنسان ليس الإِنسان السابق، إِلاَّ أنَّ هذا الكلام لا يقبلهُ أي وجدان.ومِن هُنا يتّضح أن ثمّة حقيقة واحدة ثابتة على طول العمر، هي غير الأجزاء المادية، هذه الحقيقة لا تتغَّير كالأجزاء المادية، وهي أساس وجودنا وتتحكم في حياتنا وهي سبب وحدة شخصيتنا.
    الحذر مِن هذا الإِشتباه!
    البعض يتصوّر أن الخلايا الدماغية لا تتغَّير، ويقولون: لقد قرأنا في الكتب الفسيولوجية أنَّ عدد الخلايا الدماغية واحد وثابت مُنذ البداية وحتى نهاية العمر، وهي لا تزيد ولا تنقص وإِنّما تكبر. لذلك إِذا أصيبت بخلل فلن تكون قابلة للعلاج. وعلى هذا الأساس فإِنّنا نملك وحدة ثابتة في مجموع بدننا، هذه الوحدة هي الخلايا الدماغية التي تحفظ لنا وحدة شخصيتنا.


    إِنَّ هذا الكلام ـ في الواقع ـ يمثل اشتباهاً كبيراً، فهو خلط بين مسألتين، إِذ أن ما أثبتهُ العلم مِن ثبات عدد الخلايا الدماغية منذ البداية حتى النهاية وأنّها غير قابلة للزيادة والنقصان، لا يعني أنَّ الذرات المكوَّنة لهذه الخلايا لا تتغيَّر، فكما قُلنا: إِنَّ خلايا الجسم التي تأخذ الطعام وتطرد الذرات القديمة بالتدريج تكون خاضعة للتغيير، مَثلها في ذلك مَثل ذلك الشخص الذي يأخذ المال مِن طرف وينفقه مِن طرف آخر، فهذا الشخص سيتغير رأس ماله بالتدريج، بالرغم مِن أن مقدار رأس المال لم يتغيَّر. وكذلك يُمكن أن نذكّر بمثال ماء المسبح.

    لذلك، يتبيّن أنَّ الخلايا الدماغية ليست ثابتة، بل متغيّرة مثل سائر خلايا الجسم.

    ثالثاً: عدم تطابق الكبير مَع الصغير
    افترضوا أنّنا جلسنا على ساحل البحر، وشاهدنا أمامنا عدداً مِن الزَوارق معَ باخرة كبيرة، ثمّ نظرنا إِلى جانب الشمس فرأيناها تميل للغروب، بينما القمر بدأ يبزغ مِن الجانب الآخر. وعلى الشاطىء هُناك صفوف مِن طيور الماء الجميلة وقد اقترب بعضها نحو الماء. ونشاهد على الطرف الآخر جبلا عظيماً تناطح قمتهُ السماء علواً. والآن، إِزاء هذا المنظر، لِنغمض عيوننا بُرهة مِن الزمَن ونتخيل ما شاهدناه: جبل عظيم، بحرٌ واسع، سفينة كبيرة، كل هذه الأُمور ترتسم في مخيلتنا كاللوحة الكبيرة للغاية في مقابل روحنا، أو في داخل روحنا.

    والسؤال هُنا:

    أين مكان هذا المخطط في وجودنا ...
    هل تستطيع الخلايا الدماغية الصغيرة والمحدودة للغاية أن تستوعب حجم اللوحة الكبيرة والمخطط الكبير؟ الإِجابة ـ طبعاً ـ هي النفي، ولذلك لا بدّ أنّنا نمتلك قسماً آخر في وجودنا يكون فوق المادة الجسمية، وهو مِن السعة بمقدار بحيث يستوعب كل هذه المناظر والمخططات واللوحات.

    وإلاَّ فهل نستطيع تنفيذ مخطط لبناية ذات مساحة (500) متر على قطعة أرض ذات مساحة بضعة مليمترات؟

    الجواب ـ طبعاً ـ سيكون بالنفي، لأنَّ موجوداً أكبر لا يمكنهُ الإِنطباق على موجود أصغر مع احتفاظه بكبره وسعته، إِذ مِن ضرورات الإِنطباق أن يكونا مُتساويين، أو أن يكون أحدهما أصغر مِن الثّاني، فيمكن حينذاك تنفيذ الصغير على الكبير.

    مع هذا الوضع
    كيف يُمكن لخلايا دماغنا الصغيرة استيعاب الصور الذهنية الكبيرة؟

    إِنّنا نستطيع تصوّر الكرة الأرضية بحزامها الذي يبلغ أربعين مليون متر في أذهاننا، ونستطيع أن نتصوَّر ذهنياً كرة الشمس التي تَكبُر الأرض بمقدار مليون ومئتي ألف مَرَّة، وكذلك يُمكننا تصوّر المجرات والتي هي أكبر مِن الشمس بملايين المرّات. ولكن كل هذه الصور لا يمكن ارتسامها عملياً في خلايا الدماغ الصغيرة، وذلك وفقاً لقاعدة عدم انطباق الكبير على الصغير.

    إِذن يجب أن نعترف ونقرّ بوجود كامن فينا هو أكبر مِن جسمنا في قدرة استيعابه وإِحاطته بالأشياء والمخططات والموجودات الكبيرة:

    سؤال مهم:
    يُمكن أن يقول البعض:
    إِن تصوراتنا الذهنية هي مثل المايكروفيلم أو الخرائط الجغرافية التي تحتوي على مقياس للرسم مِثل 1000000(1) أو 100000000(1) حيث يرمز هذا المقياس

    إِلى مقدار التصغير وكذلك كثيراً ما يحدث لادراك عظمة باخرة كبيرة جداً وتصوير حجمها أن أحد الأشخاص يقف على عرشتها ويؤخذ لهما صورة لكي يعرف الناظر لها عظمة حجمها من خلال رؤية الشخص الواقف عليها.

    وتصوراتنا الذهنية على مِنوال الصور المصغَّرة وذات مقايس رسم معينة، وعندما نكبّرها بنفس المقدار فإِنّنا نحصل على المخطط أو الحجم الصحيح والواقعي. وبالطبع فإِنّ المخططات والأحجام الصغيرة يُمكن أن تستوعبها الخلايا الدماغية.
    في الجواب نقول: إِنَّ المايكروفيلم يتمّ تكبيرة بواسطة (البرجكتر والشاشة الكبيرة التي تنعكس عليها الصور) كما أنَّ الخرائط الجغرافية نستطيع التعرُّف على ما تطويه مِن أحجام حقيقية بواسطة الأرقام الموجودة تحت الخرائط، فعندما نضرب المساحات بهذا الرقم نحصل على الخريطة الكبيرة الواقعية مجسمة في أذهاننا.

    والآن نطرح هذا السؤال:
    أين هي هذه الشاشة أو الصفحة العظيمة التي ينعكس عليها مايكروفيلم الذهن؟
    هل تُمثل الخلايا الدماغية الصفحة أو الشاشة المعنية؟

    بالطبع لا، لأنَّ الخريطة الجغرافية الصغيرة التي نضربها بمقياس الرسم لتتحوَّل إِلى حجمها الحقيقي، لا يمكن أن يكون مكانها الخلايا الدماغية الصغيرة في حجمها.

    وبعبارة أوضح نقول: بالنسبة إِلى المايكروفيلم والخارطة الجغرافية، فإنّنا نرى أنَّ الشيء الموجود في الخارج هو الفيلم والخارطة الصغيرة، إِلاَّ أنَّهُ في صورنا وإِدراكاتنا الذهنية تكون الصور بمقدار وجودها الخارجي، ولابدّ بالتالي مِن مكان يستوعبها، فهل يمكن للخلايا الدماغية وهي بمساحتها وحجمها المعروف أن تستوعب كل هذه الأحجام العظيمة؟

    وخلاصة القول: إِنّنا نتصوّر الصور الذهنية للأشياء بنفس أحجامها وسعتها في موضوعاتها الخارجية، وهذا التصوّر العظيم لا يمكن أن ينعكس في الخلايا الدماغية، لذلك فهي تحتاج إِلى مكان ومحل خاص، وهكذا ندرك أن فينا وجوداً حقيقياً أكبر مِن هذه الخلايا وفوقها جميعاً.

    رابعاً: عدم تشابه الظواهر الروحية مع الأوضاع المادية
    هُناك دليل آخر على استقلال الروح وعدم ماديتها، ففي الظواهر الروحية نشاهد خواصاً وأوضاعاً معينة تختلف عن الخواص والأوضاع المادية، وليس ثمّة تشابه بينهما. ومثال ذلك ما يلي:


    1 ـ الموجودات المادية تحتاج إِلى الزمان ولها بعد تدريجي.


    2 ـ بمرور الزمن تبلى هذه الموجودات المادية.


    3 ـ مِن صفاتها أنّها قابلة للتقسيم إِلى أجزاء مُتعدِّدة.


    ولكن الظواهر الذهنية ليست لها هذه الآثار والخواص، حيثُ أنّنا نستطيع أن نتصوّر عالماً كعالمنا الحالي في ذهننا دون الحاجة إِلى مرور الزمن والتدرّج.

    وإِضافة إِلى ذلك، فإِنَّ اللقطات الموجودة في الذهن مُنذ عهد الطفولة لا تصبح قديمة ولا تستهلك أو تُبلى بمرور الزمن، بل تحتفظ بنفس شكلها، ويُمكن أن يُستهلك دماغ الإِنسان، إِلاَّ أنَّ صورة البيت المتجسّدة في الدماغ مُنذ عشرين عامّا ثابتة فيه لا تتغيَّر ولا تستهلك ولها نوع مِن الثبات الذي هو صفة عالم ما وراء الطبيعة.
    إِنَّ روحنا تُظهر خلاقية عجيبة اتجاه الصور، وفي لحظة واحدة وبدون أي مقدمة يمكن رسم صور معينة في أذهاننا كالكرات السماوية والمجرات والكائنات الأرضية والجبال وما شابهها. إِنَّ هذه الخاصية ليست لكائن مادي، بل هي دليل لكائن ما فوق المادة.


    إضافة إلى ذلك فإنّنا لا نشك في أن (2 + 2 = 4) حيثُ يُمكن تجزئة طرفي المعادلة، مثلا تجزئة الرقم (2) أو الرقم (4) إِلاَّ أنَّ هذا مفهوم التساوي هذا لا يمكن تجزئته، فنقول مثلا: إِنَّ التساوي لهُ نصفان وكل نصف هو غير النصف الآخر، فالتساوي مفهوم لا يقبل التجزئة، فإِمّا أن يكون موجود أو غير موجود، إِذ لا يمكن تنصيفه أبداً.

    لذا فإِنَّ هذا النوع مِن المفاهيم الذهنية غير قابل للتقسيم، ولهذا السبب فهي ليست مادية، إِذ لو كانت مادية لكان يمكن تجزئتها، ولهذا السبب فإنَّ روحنا التي هي مركز للمفاهيم غير المادية لا يمكن أن تكون مادية، لذا فإِنّها فوق المادة.

    تم النقل من ص 114 إلى 129 من كتاب الأَمْثَـلُ تفسير كتابِ اللهِ المُنزَل تأليف/ الشَّيخ نَاصِر مَكارم الشِيرازي المجلد التاسع





      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس نوفمبر 23, 2017 7:12 am