أزرق طيبة

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلى وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه

لتَكُن لَكَ -أيُّها الزائر - عِنايَةٌ تَامَّةٌ بِصُحبةِ الأَخيارِ وَمُجالَسَةِ الصَّالِحينَ الأَبرارِ. وَكُن شَديدَ الحِرصِ علَى طَلبِ شَيخٍ صَالِحٍ مُرشِدٍ نَاصِحٍ، عَارِفٍ بِالشَّريعَةِ، سَالِكٍ لِلطَرِيقَةِ، ذَائِقٍ لِلحَقِيقَةِ، كَامِلِ العَقلِ وَاسِعِ الصَّدرِ، حَسَنِ السِّيَاسَةِ عاَرِفٍ بِطبَقاتِ النَّاسِ مُمَيِّزٍ بَينَ غَرائِزِهِم وَفِطَرِهِم وَأَحوَالِهِم.

أعزاءنا الزوار ,مرحبا بكم، نود ان نلفت إنتباهكم بان تسجيل الدخول بعضوية ضروري
لتتمكن من مشاهدة المواضيع الحصرية , فنرغب منكم ان تشاركونا بمشاركاتكم و مواضيعكم !
تفضلوا بالتسجيل
أزرق طيبة

الطريقة القادرية العركية


    الإسلام دين وأمّـة وليس دينًا ودولـة

    شاطر
    avatar
    الباقر الشريف
    عضو

    عدد المساهمات : 28
    تاريخ التسجيل : 02/12/2012

    الإسلام دين وأمّـة وليس دينًا ودولـة

    مُساهمة  الباقر الشريف في السبت يناير 25, 2014 6:24 am

    الدولة الإسلامية فى عصر الرسول والخلفاء الراشدين
    كانت – ولا تزال – تلك التجربة التاريخية الفريدة التى قام بها الرسول عندما تطلبت الأوضاع منه أن يتولى إدارة المدينة، وأن يكون سيدها المطاع، وحاكمها المتبع، ثم ما قام به أبو بكر وعمر بعده فى السير على أثره والاهتداء بهديه – نقول إن هذه الحقبة لا تزال فى الفكر السياسى الإسلامى حية – متوهجة، تتخذ مثالاً عملياً وواقعياً على أن الإسلام "دين ودولة."

    فهل هذه هى الحقيقة.. أو أن الحقيقة هى ما ذهب إليه الشيخ على عبد الرازق من أن الإسلام لا علاقة له بأصول الحكم. أو أن الحقيقة هى ما ذهب إليه المودودى وسيد قطب وحزب التحرير من أن الإسلام هو الحاكمية الإلهية، هو الشريعة، هو الخلافة.

    إن هذا الفصل يجيب على ذلك بفضل المعالجة التى تلمس كل أبعاد الموضوع وتلحظ أثر الأحداث وتفاعلها مع النصوص وما أدى إليه هذا من توافر خصائص معينة تميز دولة المدينة عن أى دولة أخرى وتوجب تصنيفاً خاصاً، إذ فى الوقت الذى يجتمع فيها بعض وظائف الدولة، فإنها تتجرد من وظائف أخرى تعد حيوية فى كل دولة، بالإضافة إلى أنها لم تستمر قرابة خمس وعشرين سنة. منها عشرة فى حياة الرسول والباقى فى خلافة أبى بكر وعمر. وعندما طعن عمر، طعنت الخلافة الراشدة معه. وانطوت صفحتها، لأن عثمان حاد عن سيرة الشيخين، ولأن عليا عندما أراد أن يعود بها سيرتها الأولى َتأبّتْ عليه، بل ودفع حياته ثمناً لذلك ..

    من أجل هذا يمكن القول إنه حدث فعلاً فى تاريخ الإسلام أن قامت دولة إسلامية فى المدينة المنورة لمدة خمس وعشرين سنة، ولكنها لما كانت دولة خاصة جداً وتخالف مألوف الدول فى أبرز صفاتها، فإنها لم تدم سوى تلك المدة. أما ما تلاها فإنه كان الطريق إلى الملك العقيم العضوض الذى استمر حتى سقوط الخلافة التركية سنة 1924 ولا تحسب هذه الدولات على الإسلام لأنها لم تقم على أسس إسلامية، وإنما هى جزء من تاريخ الدول التى ادعت انتسابها للإسلام، وهى فى حقيقة الحال جزء من التاريخ السياسى الذى يقوم على الغصب والحروب والسيطرة والاستحواز على الأرض واستعباد الجماهير، وبالتالى فإن من الخطأ الكبير تصور إمكانية إقامة دولة إسلامية على غرار دولة المدينة فى عهد الرسول أو فى عهد الخلفاء الراشدين. لأن الصفات الاستثنائية التى اتصفت لا يمكن أن تتكرر وأولها إن دولة المدينة كان على رأسها رسول يوحى إليه وهذا ما لا يمكن بالطبع أن يتكرر.
    منقولhttp://www.islamiccall.org/DinWaUmma_1-ch2.htm


    عدل سابقا من قبل الباقر الشريف في السبت يناير 25, 2014 7:07 am عدل 1 مرات
    avatar
    الباقر الشريف
    عضو

    عدد المساهمات : 28
    تاريخ التسجيل : 02/12/2012

    رد: الإسلام دين وأمّـة وليس دينًا ودولـة

    مُساهمة  الباقر الشريف في السبت يناير 25, 2014 6:28 am

    قبل أن تظهر دولة المدينة
    ألفَِ كثير من الكتاب والدعاة أن يبدءوا عرضهم لقضية الحكم فى الإسلام بالحديث عن دولة المدينة التى أقامها الرسول صلى الله عليه وسلم وواصلها الخلفاء الراشدون. وهذا وإن كان بالنسبة للحكم صحيحاً إلا أنه لا ينفى أن الإسلام لم يبدأ فى المدينة وإنما فى مكة وأن الرسول قضى فى مكة مدة أطول من التى قضاها فى المدينة، وأن أكثر من نصف القرآن نزل فى تلك المرحلة التى لم يكن فيها دولة، بل كان الإسلام فيها ملاحقاً بالاضطهاد من القرشيين..
    إن من المحقق أن دعوة الإسلام التى تنزل بها الوحى الأمين نزلت فى مكة، وأن الرسول دعا المكيين إلى الإيمان بها. وأن الإسلام برز متميزاً، له جوهره الخاص وهو الإيمان بالله تعالى الواحد الأحد كما جاء فى القرآن. والإيمان بالدار الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب والإيمان برسالة الرسول وهذه المقومات التى تمثل جوهر الإسلام هى ما نزل على الرسول بمكة – ولم ينزل عليه أن يؤسس دولة – أو يجند جنداً أو يخوض قتالاً الخ... بل لم ينزل عليه إلا ما يعد مكملاً للعقيدة دون أن يمثل إضافة فى لبها وجوهرها.
    ومن المؤكد أيضاً أن هذه المدة الطويلة كانت مدرسة الإيمان التى تعلم فيها قادة الإسلام ومرنوا على الصلابة والصبر والثبات وقبول التضحية، وهى الخلائق التى يفترض وجودها فى بناة الدول ..
    ومعنى هذا أن الحقبة المكية أثبتت أن من الممكن أن يوجد الإسلام دون أن تكون له دولة. بل حتى وهو ملاحق مضطهد من الأعداء وهذا ما يضعنا فى صميم القضية. فالإسلام كدعوة وعقيدة وخلق ليس فى حاجة إلى دولة على وجه الضرورة، لأنه إيمان والإيمان اقتناع نفسى لا تستطيع الدولة أن تدعمه وتقويه، ولا أن تقاومه وتمحوه لأن هذا يتوقف على درجة الإيمان. فإذا تمكن الإيمان من النفس، فلا تستطيع القوى الخارجة أن تؤثر عليه. وهذا هو حال الأقليات المسلمة الموجودة اليوم فى عدد كبير من دول العالم التى تتعرض للاضطهاد وصنوف من التمييز، دون أن ينال هذا من إيمانها أو يمس إسلامها..
    بل إن الحقبة المكية تثبت أنه من الممكن للدعوة المجردة من أى قوة إلا قوة الحق ونصاعة الحجة أن تزحف بحيث تكسب جمهوراً وشعباً جديداً. فلم تؤمن المدينة بالإسلام إلا نتيجة تعليم مصعب بن عمير القرآن للمدنيين وبذلك توصل إلى إسلامهم وانطبقت عليهم كلمة عائشة "فتحت المدينة بالقرآن. فالفتح الأول والأعظم فى التاريخ الإسلامى بأسره لم يحدث بسيف أو رمح، ولكنه بالقرآن. وبفضل فتح المدينة فتحت مكة..
    ولو أنعمنا النظر فى أول آية نزلت عن القتال. وأوجدت بالتالى مقوماً من مقومات الدولة لم يكن موجوداً فى مكة لرأينا أن هذا الإذن مبنى على ما اكتنف الحقبة المكية من أذى واضطهاد فالآية تقول )أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ (بفتح التاء) بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ(. فتقرير القتال فى الإسلام إنما بنى على سبيل رد ظلم وقتال الآخرين الذى مارسوه لفتنة المؤمنين عن عقيدتهم. فالقتال فى الإسلام كان دفاعاً عن حرية العقيدة ولم يكن قتالاً للاستحواز على أرض أو لاختلاف سياسى، بمعنى أنه لم يكن لحساب الدولة ولكن لحساب العقيدة.
    بل إن هذا هو ما يقال على الهجرة نفسها التى لم يدفع الرسول إليها إلا تآمر المشركين. بمعنى أنها لم تكن أمراً مقرراً لولاً هذا التآمر، كما لم تكن هجرة المسلمين إلى الحبشة إلا بحثاً عن أرض يمكن فيها للمسلمين ممارسة إسلامهم دون ظلم أو ملاحقة أو اضطهاد.
    ما نريد أن نوجه الأنظار إليه هو أنه وإن كانت مرحلة المدينة قد أوجدت "الدولة الإسلامية" فإن مرحلة مكة قد عمقت العقيدة التى قامت عليها الدولة.. والتى هى الأصل والأساس. وأنه عندما وهنت العقيدة فى نفوس الناس مع تطاول الزمن فقدت الدولة الإسلامية قوتها، وميزتها وخصيصتها.
    وهذه الوقائع التاريخية نجد لها سنداً فى القرآن مما يجعلها أصلاً من أصول الدعوة إلى الإسلام..
    avatar
    الباقر الشريف
    عضو

    عدد المساهمات : 28
    تاريخ التسجيل : 02/12/2012

    رد: الإسلام دين وأمّـة وليس دينًا ودولـة

    مُساهمة  الباقر الشريف في السبت يناير 25, 2014 6:52 am

    نصوص قرآنية ونبوية
    من الطبيعى أن نسترشد أول ما نسترشد فى موضوع الدولة والحكم بما جـاء فى القرآن الكريم أو روى عن الرسول باعتبارهما المصدرين الأصليين للإسلام، وأن كل ما يأتى بعدهما تبع لهما.
    وكما سنرى هذه الأسانيد – وهى آيات وأحاديث تجعل الرسول مُبلّغاً ومبينا، وبشيراً ونذيراً وداعيا إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً – كما تجعله رحمه للعالمين، ومن باب أولى – رحمة للمؤمنين، وتجرده من كل هيمنة أو أن يكون جباراً أو مسيطراً، أو حتى وكيلاً، وهى صفات تبعده – بداهة – عن السلطة بل إنها تجرده من أى سلطة جبرية..

    كما تجعل هذه الآيات الهداية من الله "إنك لا تهدى من أحببت". وتجعل الأفراد هم الذين يؤمنون ويكفرون بمحض إرادتهم بحيث تكون قضية الإيمان والكفر قضية فردية تعود إلى صاحبها وليست من قضايا النظام العام فقد أراد الله تعددية الأديان، ولو شاء لجعل الناس أمه واحدة، وليس من الإسلام فى شىء أن تتجادل الأديان أو أن يدعى بعضها الأفضلية والامتياز، أو أنه يحتكر الهداية، والآيات تقضى بأن الله تعالى هو – وحده – الذى سيفصل فيما كانوا فيه يختلفون يوم القيامة ويتسق مع هذا كله أن القرآن الكريم لم يضع حداً دنيويا للرِدّة..
    وهذه الآيات فى مجموعها تبعد الرسل والأديان عن الحكم والسلطة قدر ما تقربهم من الأمة.
    ولا يُستغرب بعد هذا أن لا يكون فى القرآن إشارة إلى دولة أو حكومة. ودائما نجد التأكيد والتكرير على "الأمة".
    كما يتفق مع هذا أن تكون كلمة الحكم التى ترددت فى القرآن بمعنى القضاء ومن ثم فإنه يتبعها بحرف "بين" أما عندما يطلقها عامة فإنه ينسب الحكم لله تعالى.. وليس لأحد من البشر...

    وفيما يلى هذه الآيات والأحاديث..
    1. الرسول مُبلّغ.. وليس حاكما :
    • (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) {المائدة 99}..
    • (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون){الأعراف 188}..
    • (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِــي عَمَلِي وَلَكُــمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُــمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) {يونس 41}..
    • (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) {هود 12}..
    • (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) {الرعد 40}..
    • (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ) {الحجر 94}..
    • (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) {النحل 82}..
    • (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(56) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً(57) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا) {الفرقان 56-58}..
    • (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) {ق 45}..
    • (كَذَلِكَ مَا أَتَــى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِــنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِــرٌ أَوْ مَجْنُونٌ(52) أَتَوَاصَوْا بِــهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ(53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ(54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) {الذاريات 52-55}..
    • (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) {الشورى 6}..
    • (أَمَّا مَنْ اسْتَغْنَى(5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى(6) وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) {عبس 7}..
    • (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ(21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) {الغاشية 22}..

    2. الهداية من الله ...
    • (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) {البقرة 272}..
    • (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً) {النساء 88}..
    • (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُــونُــوا مُؤْمِنِينَ(99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَــى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) {يونس 99-100}..
    • (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) {القصص 56}..
    • (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) {فاطر 8}..

    3. الإيمان والكفر قضية شخصية ..
    • (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) {البقرة 256}..
    • (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) {يونس 108}..
    • (مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) {الإسراء 15}..
    • (وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) {الكهف 29} ..
    • (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ(91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَــا أَنَــا مِنْ الْمُنذِرِينَ(92) وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّـكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) {النمل 91-93}..
    • (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ
    ) {الروم 44}..
    • (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلا خَسَارًا) {فاطر 39}..
    • (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنْ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) {الزمر 41}..

    4. لا يوجد حد دنيوى على الردة ..
    • (أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل) {البقرة 108}..
    • (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) {البقرة 217}..
    • (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون) {آل عمران 90}..
    • (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) {النساء 137}..
    • (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) {المائدة 54}..
    • (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُنْ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) {التوبة 74}..
    • (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) {النحل 106}..
    • (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُــمْ وَأَمْلَى لَهُــمْ) {محمد 25}..

    5. لا يوجد فى القرآن دولة، ولكن أمة ..
    لم تـرد كلمة "دولة" فى القرآن الكريم إلا مرة واحدة بصدد الحديث عن الفىء (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) كما جاءت إحـدى اشتقاقاتها (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ).
    ولا نجد فى معاجم اللغة لكلمة دولة معنى إلا بالمعنى الذى أوردها القرآن الكريم أو بمعنى الغلبة..
    فى مقابل هذا نجد القرآن يستخدم كلمة "أُمَّة" فى 49 موضعاً ويجعل هذه الكلمة الوصف الجماعى للناس، وللمؤمنين. ويضيق المجال بالطبع عن إيراد كل هذه الآيات وحسبنا منها ..

    • (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) {البقرة 143}..
    • (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) {النساء 41}..
    • (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) {الأعراف 34}..
    • (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) {يونس 47}..
    • (كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَانِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ) {الرعد 30}..
    • (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِي(92) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُــونَ) {الأنبياء 92-93}..
    • (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِي) {المؤمنون 52}..

    ويمت إلى هذا بصلة أن القرآن الكريم – وكما سنرى السُنة – تطلق على الرسول أو القائم بالأمر تعبيراً مشتقاً من الأمة وهو "الإمام" فلا يعرف الإسلام (قرآنا وسُنة) كلمة ملك أو حاكم ولكن إمام وأئمة (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) {الأنبياء 73}..
    (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) {البقرة 124}..

    6. الحكم فى القرآن بمعنى القضاء ..
    • (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ( {المائدة 42}..
    • (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ( {النساء 105}..
    • (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ( {النساء 58}..
    • (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ( {النور 48}..
    • (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ( {42 المائدة} ..
    • (خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ( {ص 22}..
    • (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا( {النساء 65}..
    • (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ( {المائدة 43}..
    • (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بَــهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا( {النساء 60}..
    • (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا( {النساء 35}..
    كما يلحظ فى كل الآيات التى جاء فيها الأمر بالحكم بين الناس أن هذا الحكم مقيد بما أنزل الله. فالحاكم قاض يحكم بين الناس بقانون هو ما أنزل له ولا يحل له أبداً أن يحكم بخلاف ذلك، وهناك آيات عديدة تحذر الرسول من أن يحكم بالهوى أو أن يُفتن عما أنزل الله.
    وهكذا نرى الحكم هو القضاء وما يوحى إليه ذلك من البعد عن معنى الحكم السياسى وحكم القادة والملوك وما يتسم به من تداعيات بعيدة عن معنى العدالة قدر ما هى قريبة من معنى الجبروت والسلطة.
    وليس الحكم بمعنى القضاء غريباً أو جديداً على الأديان فقد ظل "القضاة" يحكمون بنى إسرائيل فى الفترة من موت يشوع حتى اختيار شاول أول ملك لليهود وتبلغ هذه الفترة نحو أربع مائة سنة على وجه التقريب، ولم يكن هؤلاء.. حكاماً أو قواداً عسكرين، ولكنهم كانوا أفراداً متميزين من صميم الشعب.

    وقد صك القرآن الكريم تعبيراً جديداً عندما قال "أولى الأمر" "أطيعوا الله والرسول وأولى الأمر منكم"، وأولى الأمر تعود إلى "منكم" وبالتالى تسع لعديد من الأفراد..
    وهذا اصطلاح يعود إلى أصل أعم هو مجرد كلمة "الأمر" التى تستخدم فى السُنة، وكذلك فى القرآن الكريم (حوالى 72 مرة) بمعنى الحكم كما يدل على ذلك سياق الآيات :
    • (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ( {آل عمران 128}..
    • (هَلْ لَنَا مِنْ الأمْرِ مِنْ شَيْءٍ( {آل عمران 154}..
    • (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر( {آل عمران 159}..
    كما ذكرت فى السُنة مناسبات عديدة أشهرها ما جاء فى حديث العباس عندما مرض الرسول صلى الله عليه وسلم فطلب من على بن أبى طالب أن يسأل الرسول "فيمن يكون هذا الأمر فإن كان فينا الخ..."
    وتحدث القرآن عن "ملك يأخذ كل سفينة غصبا" وعن ملك يقول "أنا أحيى وأميت" وتحدث عن "فرعون وهامان" وقارون وندد بهم بأقسى العبارات ثم وصم الملك بحكم أظهر خصيصة فيه.. (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ( {النمل 34}..

    من هنا يتضح أن مدح القرآن الكريم لطالوت، وملكة سبأ هو استثناء مما يكون عليه الملوك من بغى وظلم مما يعد طبيعة فيهم ..
    لقد قيل إن الآيات التى تجعل الرسول مبلغا، ومبشراً، ونذيراً، وليس حاكماً أو ملكا آيات مكية، ولكن الحقيقة أن فيها آيات مدنية فى سورة آل عمران والمائدة والنساء والرعد والنور والتغابن وبعضها مما أنزل فى آخر العهد المدنى، فضلاً عن آيات مدنية فى سورة الأعراف وهود على أنه لو كانت الآيات مكية فهل معنى هذا أن تتحول إلى نقيضها ؟!

    والقضية ليست قضية آيات قدر ما هى طبائع الأمور. فطبيعة النبى لابد وأن تختلف عن طبيعة الملك. ولقد كان المُلك سُبّة لدى الصحابة، ونددوا بمعاوية عندما أخلف ابنه يزيد لأنه جعلها كسروية وقيصرية.. وقال معاوية نفسه "تعيرونى بالمُلك فقد قبلته.. والنبى أسمى بمراحل عن المُلك وهل يعقل أن يتحدث القرآن الكريم عن نبى بمثل ما تحدث عن المُلوك ؟ فشتان ما بين من يهدى النفوس ويخرجها من الظلمات إلى النور وبين الذين يفسدون فى الأرض ويجعلون أعزة أهلها أذلة، ويخرجونهم من نور الحرية إلى ظلمات السجون.
    وكيف يمكن أن يقارن الرسول الذى كانت الأيام تمر دون أن يوقد فى بيته نار، وما شبع من خبز الشعير يومين متتابعين وكان فراشه وساده من أدم حشوها الليف.. بالملوك الذين لا تهدأ مطابخهم ليل نهار وتمتلئ بكل ما يصل إليه فنون الطهى من لحوم وحلوى وشراب..؟ لقد كانت حياة العرب بسيطة وكان هو أشدهم بساطة وقد رأى بعين النبوة عهد الثراء الذى سيأتى وتصور "عهداً" إذا غدا أحدكم فى حلة وراح فى حلة ووضعت بين يديه صحفة ورفعت أخرى وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة..
    avatar
    الباقر الشريف
    عضو

    عدد المساهمات : 28
    تاريخ التسجيل : 02/12/2012

    رد: الإسلام دين وأمّـة وليس دينًا ودولـة

    مُساهمة  الباقر الشريف في السبت يناير 25, 2014 6:55 am

    هذا هو موقف القرآن الكريم، فما هو موقف السُنة ؟

    لقد رأينا إن الرسول يتفق مع القرآن تماماً فى رفضه الملك، والحكم والسلطة، ولعلنا نذكر أنه رفض كل ما عرضه عليه كبار قريش وثراتها من مال أو جاه أو ملك، وأنه فى حياته فى المدينة، وقد كان سيدها المطاع والمحبوب لم يتكلف شيئاً، وعاش كما كان دائماً، متقشفاً متواضعاً.
    ويتفق ما جاء عن الرسول مع ما جاء فى القرآن الكريم، ففى كثير من أحاديثه ندد بالحكم، والولاية فقال "ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً لا يفكه إلا العدل أو يوبقه الجور" وتحدث عن الولاية "أولها ملامة وأوسطها ندامة وآخرها خزى يوم القيامة"، "إنها أمانة وخزى وندامة يوم القيامة إلا من أخذ بحقها وأدى الذى عليه فيها" "نعمت المرضعة، وبئست الفاطمة" وقال "ليس من والى أمه قلّت أو كثرت لا يعدل فيها إلا كبّه الله تبارك وتعالى فى النار، وقال لا يسترعى الله تبارك وتعالى عبداً رعية فيموت يوم يموت وهو لها غاش إلا حرم الله عليه الجنة. وقال "يا عبد الرحمن (ابن سمرة) لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها" وقال "ويل للأمراء، ويل للعرفاء ويل للأمناء ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم كانت معلقة بالثريا يتذبذبون بين السماء والأرض ولم يكونوا عملوا على شئ.. وقال "تجدونه من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الشأن حتى يقع فيه" وقال "شر الرعاة الحطمة" ووضع مبدءاً عاماً بالنسبة للطاعة "لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق"، ومبدءاً بالنسبة للولاية "لا يولى من يطلبها"، وتبرأ ممن يدخلون على الأمراء فيصدقونهم بكذبهم "الفتح الربانى – مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى – من ص 20-22 الجزء 23".

    حقا هناك أحاديث تحض على الالتزام بالبيعة وتندد بالذين يرفضونها، وهناك أحاديث تحذر من النكث بها.. وهذه لا تخالف تلك (أى الأحاديث التى تعزف عن الولاية) ولكنها تصور الطبيعة المعقدة للمجتمع، التى تتطلب نوعاً من التنظيم. وفى الوقت نفسه فإنها تحذر من أن يتورط الدعاة فى هذا التنظيم. لأن هذا التنظيم الذى ينتهى عند درجة معينة إلى السلطة لابد وأن يفسد الدعاة ...

    من هذه الآيات العديدة نلمس عزوف القرآن الكريم عن فكرة الحكم، والملك، والسلطة، وتأكيده أن الرسول ليس إلا مبلغاً ومبشراً ونذيراً وليس له من مهمة، أو سلطة، إلا "البلاغ" وإن القرآن الكريم لم يستخدم تعبير "دولة" ولكن "أمة" ولم يستخدم تعبير حاكم أو ملك ولكن إمام وجعل الحكم أشبه بالقضاء، وأن الرسول نفسه لم يدع لنفسه ملكا – ولم يسير سيرة ملك أو حاكم، وأنه عندما خير اختار أن يكون عبداً نبياً، وليس ملكاً..
    avatar
    الباقر الشريف
    عضو

    عدد المساهمات : 28
    تاريخ التسجيل : 02/12/2012

    رد: الإسلام دين وأمّـة وليس دينًا ودولـة

    مُساهمة  الباقر الشريف في السبت يناير 25, 2014 7:05 am

    دولة المدينة أيام الرسول
    رغم كل ما أوردناه فى الفصل السابق من آيات قرآنية تحصر دور الرسول فى البلاغ وتجرده من أى سلطة، ورغم الأحاديث النبوية التى تندد بالحكم والولاة، فهناك واقعة تاريخية ثابتة هى أن الرسول مارس فى السنوات العشر له فى المدينة كثيراً من سلطات الحكم، وأقام نموذجاً فريداً لدولة تفوق ما قدمته أثينا فى القديم، وما حاولته النظم السياسية حتى الآن...

    ونحن لا نجادل فى هذه الواقعة، ولكننا نقول باختصار. إن "دولة المدينة" – وإن كنا نتحفظ على تعبير "دولة المدينة" – ونضعه بين قوسين، وإن توفر لها بعض مقومات الدولة، فإن البعض الآخر لم يتوفر لها، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم فى قيامه بمهام الحكم فإنه كان يقوم بها – لا كحاكم – بل كرسول. فضلاً عن أن كافة الملابسات التى تكتنفها تجعلها تجربة فريدة لا تتكرر، ولا يمكن القياس عليها، وأقصى ما يمكن أن تقدمه هى أن تكون مصدراً لاستلهام القيم التى قامت عليها والتقاليد التى وضعتها..

    إن خصوصية دولة المدينة تضم جانبين الأول الملابسات التى ظهرت فيها هذه "الدولة". والثانى طبيعة المُنشىء والمؤسس لهذه الدولة.
    أولا: الملابسات التى أدت إلى ظهور دولة المدينة :
    لنبدأ من البداية...

    استجاب لدعوة الرسول فريق من الأوس والخزرج كانوا يزورون مكة موسم الحج وطلبوا أن يرسل معهم إلى المدينة من "يعلمهم القرآن" فأرسل معهم مصعب بن عمير الذى تولى الدعوة للإسلام وتلاوة القرآن الكريم : حتى جاء فى الموسم الثانى وفد كبير (73 رجلاً وامرأتان) أسلموا وبايعوا الرسول على حمايته، كما يحمون نساءهم..

    وتطورت الأحداث. فقد ترامى إلى سمع قريش إسلام الأنصار وانتشار الدين الجديد، وكانوا قد يأسوا من استمالة الرسول.. فبدؤوا فى رسم الخطط لاغتياله بطريقة لا تجعل له سبيلاً للثأر. وتوصلوا إلى ذلك عندما أوكلوا عملية الاغتيال لعدد من شباب قبائل قريش حتى "يضيع دمه بين القبائل"..

    وتعيّن على الرسول أن يهاجر إلى المدينة ..

    وهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم فى الوقت المناسب تماماً بعد أن حبكت قريش مؤامرتها، بحيث أنه لو تأخر لتحقق ما رسموه..
    هاجر النبى ومعه أبو بكر، بينما كان المؤمنون فى المدينة ينتظرون مقدمه ثلاثة أيام، فلما وصل استقبلوه بالنشيد المعروف ..

      طلع البـدر.. علينا            من ثنيات  الـوداع
      أيها  المبعوث فينـا           جئت بالأمر المطاع
     جئت شرفت المدينة            مرحباً يا خيـر داع


    إننا نرى هنا بداية تختلف عن البدايات المألوفة فى النظم السياسية التى تأتى المبادأة فيها من الحاكم الذى يحاول أن يكسب الشعب لصفه بمختلف الطرق من ترغيب أو ترهيب. ويقف الشعب منه موقف الشاك الذى يطالبه بالدليل والضمانات. وقد يتعرض لمنافسة أنداد له ويصيبه كل ما يصيب المتنافسين من ادعاءات. إن شيئاً من هذا لم يحدث فى دولة المدينة، وبدلاً منه نرى شعباً يستقدم قائده ليسلم إليه الأمر ويلزم نفسه بالطاعة له.

    كان المقتضى الطبيعى لهذا أن يؤسس الرسول فى المدينة "أمة جديدة" ومجتمعاً جديداً يؤمن بالإسلام ويطبق تعاليمه، بوجه خاص ما يتعلق بنظام المجتمع كطريقة إدارته، وطريقة تمويله، والوشائج والروابط التى تربط بين أفراده..

    لم يكن مناص من هذا، فهو أمر فرضه الواقع، ولا يتصور غيره..

    لم يكن متصوراً مثلاً أن يشغل الرسول منصب مصعب بن عمير ويكون رئيساً دينيا بحتا، ويدع الأنصار من خزرج وأوس ويهود على ما كانوا عليه. لأن هذا كان يمثل ازدواجية فى السلطة ما بين الرئيس الدينى والرئيس القبلى.. ولم يكن الأنصار أنفسهم يقبلونه لأنهم أسلموا نفوسهم لله وللرسول الذى جاء "بالأمر المطاع".

    كان لابد من إقامة "أمة" متميزة فى المدينة ومجتمعاً إسلاميا يطبق شعائر الإسلام التى كان منها الزكاة، وكان أيضا من الضرورى حماية هذه الأمة الناشئة من ملاحقات قريش ..

    فلننظر ماذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بالترتيب بمجرد نزوله المدينة ..
    إنه أولا: بنى المسجد، واشترك فى بنائه مع الصحابة من مهاجرين وأنصار فرمز بذلك إلى الطابع الإيمانى لهذه الأمة.. الذى يجعل من المسجد المنتدى العام الذى يأوي إليه المؤمنون ليس فحسب لأداء الصلوات، ولكن للمشاركة فى القضايا العامة..
    ثم ثانيا: قام بعملية تآخى ما بين المهاجرين والأنصار بحيث يكون لكل مهاجر أخ أنصارى وبالتالى ينصهر الجميع فى أخوة الإيمان وتتقلص التفرقة والتمييز بينهم كمهاجرين وأنصار..

    ويعرض ابن هشام لهذه العملية.. "تآخوا فى الله أخوين أخوين، ثم أخذ بيد على بن أبى طالب فقال: هذا أخى فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين الذى ليس له خطير ولا نظير من العباد، وعلى بن أبى طالب رضى الله عنه أخوين، وكان حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخوين، وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين حضره القتال إن حدث به حادث الموت، وجعفر بن أبى طالب ذو الجناحين الطيار فى الجنة، ومعاذ بن جبل أخو بنى سلمة، أخوين".

    قال ابن هشام : وكان جعفر بن أبى طالب يومئذ غائباً بأرض الحبشة.
    قال ابن إسحاق : وكان أبو بكر الصديق رضى الله عنه، بن أبى ُقحافة، وخارجة بن زهير، أخو بلحارث بن الخزرج أخوين، وعمر بن الخطاب رضى الله عنه، وعتبان بن مالك، أخو بنى سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج أخوين. وأبو عبُيدة بن عبد الله بن الجراح، واسمه عامر بن عبد الله، وسعد بن معاذ ابن النعمان أخو بنى عبد الأشهل، أخوين وعبد الرحمن بن عوف، وسعد ابن الربيع، أخو بلحارث بن الخزرج، أخوين، والزبير بن العوام، وسلمة ابن سلامة بن وقش، أخو بنى عبد الأشهل، أخوين ويقال: بل الزبير وعبد الله بن مسعود، حليف بنى زهرة، أخوين، وعثمان بن عفان، وأوس ابن ثابت بن المنذر، أخو بنى النجار، أخوين، وطلحة بن عبيد الله، وكعب ابن مالك، أخو بنى سلمة، أخوين، وسعد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وأبى ابن كعب، أخو بنى النجار أخوين، ومصعب بن عمير بن هاشم، وأبو أيوب خالد بن زيد، أخو بنى النجار، أخوين، وأبو حذيفة بن عُتبة بن ربيعة، وعباد بن بشر بن وقش، أخو بنى عبد الأشهل، أخوين، وعمار بن ياسر، حليف بنى مخزوم، وحذيفة بن اليمان، أخو بنى عبد عبس، حليف بنى عبد الأشهل، أخوين، ويقال ثابت بن قيس بن الشماس، أخو بلحارث ابن الخزرج، خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمار بن ياسر، أخوين وأبو ذر، وهو بُرير بن جنادة الغفارى، والمنذر بن عمرو أخو بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج، أخوين.

    قال ابن هشام : وسمعت غير واحد من العلماء يقول: أبو ذر: جُندب ابن جُنادة.
    قال ابن إسحق : وكان حاطب بن أبى بلتعة، حليف بنى أسد، بن عبد العزى، وعويم بن ساعدة، أخو بنى عمرو بن عوف، أخوين، وسلمان الفارسى، وأبو الدرداء، عُويمر بن عامر، ويقال عُويمر بن زيد ..." انتهى الاستشهاد من ابن اسحق.
    ثم ثالثاً قام بوضع وثيقة هامة هى التى تطلق عليها بعض المراجع القديمة "صحيفة الموادعة" وما أطلقت عليها المراجع الحديثة دستور المدينة.
    وتبدأ الوثيقة ..

    هذا كتاب محمد النبى رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم..
    " أنهم أمة واحدة من دون الناس " ..

    وتسرد الوثيقة بعد ذلك أسماء فصائل الأنصار "بُنو عوف، وبنو الحارث، وبنو ساعدة، وبنو جشم، وبنو النجار، وبنو عمرو بن عوف، وبنو النبيت، وبنو الأوس.. ويذكر أمام كل فصيل من هذه الفصائل أنهم يتعاقلون[1] بينهم ويفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
    ثم هناك عدة مواد تقضى على المؤمنين بأن لا يتركوا محتاجاً دون سد حاجته، وأن تكون أيديهم على كل باغ "ولو كان ولد أحدهم" وأن ذمة الله واحدة ويجير عليهم أدناهم وأن المؤمنين بعضهم موالى بعض دون الناس ثم يتعرض لليهود فيقول :

    وإن من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم. وأن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
    وأن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين. لليهود دينهم وللمسلمين دينهم.
    ثم تسرد الوثيقة أسماء كل اليهود الحلفاء لفصائل الأنصار وتعطيهم مثل ما ليهود بنى عوف.
    وأن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم وأن بينهم النصر على من حارب هذه الصحيفة وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الآثم.
    وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
    وتحيل الصحيفة التحاكم فيما إذا وقع حدث أو اشتجار يخاف فساده إلى الله، وإلى محمد رسول الله.
    هذا ملخص موجز لنص هذه الوثيقة الهامة التى تثير العجب لأكثر من داع.

    1. هناك أولا الحرص على جعلها مكتوبة، مع أن العرب كانوا كما قال الرسول "أمة أمية" وأن المسلمين ما كانوا يكتبون إلا القرآن فالحـرص على كتابتها إشارة إلى كونها "دستور" لكل الذين يسكنون المدينة...
    2. إن صيغتها المحدودة تشبه صيغة القوانين والمعاهدات التى يلحظ فيها الدقة والوضوح وأنها تضع منذ ألف وأربعمائة سنة مبدأ الأمة الواحدة المختلفة الأديان والمختلفة الأعراق وتحتفظ لكل مجموعة بخصائصها داخل إطار الأمة، وتعطى كل فرد حق "المواطنة".
    وهذا شئ لم تحققه معظم دول العالم حتى اليوم..
    3. إبراز مضمون التكافل، سواء كان فى التعامل أو سد حاجة المحتاج "بالمعروف والقسط" وبروز "البر دون الآثم"..
    4. أعطت "المواطنة" لجميع الذين يقطنون المدينة بلا استثناء ودون اشتراط دين فجمعت ما بين اليهود والمسلمين وبذلك جعلت الوثيقة المكان هو مبرر المواطنة، كما فى النظم الحديثة.

    وأخيراً، فإن طبيعة هذه الوثيقة وروحها تمت إلى "الأمة" التى كررتها أكثر من مرة – قدر ما تبعد من الدولة. لأن طابعها الإنسانى يهدم السدود بين الأجناس أو التجزءات والمحرمات التى تفرضها الدولة على غير مواطنيها.
    وهكذا فإن الرسول عنى بإقامة المسجد وآخى بين المهاجرين والأنصار ثم وضع دستور الأمة.. ولم يفعل كما يفعل كل من يلى الحكم فيستأثر بقيادة الجيش ويقصى أعداءه عن مراكز النفوذ الخ.. ويتولى السيطرة على أجهزة الأمن الخ... إن شيئاً من هذا لم يخطر ببال الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه كان مستبعداً بحكم القيم الإيمانية.. وبحكم الواقع الساذج الذى كان يجعل "المجتمع" قبيلة، وبالأكثر أمة ولكن دون أن يصل بها إلى "الدولة" وأجهزتها وسلطانها ..

    وما من مثل يوضح خصوصية العلاقات التى ربطت بين عناصر هذه الأمة التى تقوم على إيمان عميق كالذى فعله أحد الأنصار عندما عرض على أخيه المهاجر ليس فحسب شطر أرضه وماله، بل أن يتنازل عن إحدى زوجتيه ليتزوج بها المهاجر، الذى بدوره شكر أخاه الأنصارى وقال له "دلنى على السوق" واستطاع بعمله أن يستغنى عن كل ما عرضه الأنصارى عليه. فهذه الروح الواحدة بين الاثنين كانت فى أنسجة البناء العظيم الذى أقامه الرسول فى المدينة والذى أسقط كل المحددات والمقومات باستثناء الإيمان والعمل الصالح.

    وقد يكون أهم من هذا أن أبرز ما يميز الدولة هى "الحكومة" وأبرز ما فى الحكومة هى السلطة. وما عدا هذين يغلب أن يكون مشتركا ما بين الدولة.. والمجتمع. أو الأمة كالمعيشة على أرض واحدة أو التحدث بلغة واحدة.. أو توفر مصلحة واحدة الخ.. فهذا كله يمكن أن يوجد فى مجتمع دون أن يكون "دولة" وإنما تكون الدولة فعلاً عندماً تظهر الحكومة، ولا معنى للحكومة إلا عندما تتوفر لها السلطة التى تتمثل فى الجيش المحترف الذى يفرض الطاعة للحكومة فى الداخل ويحميها من العدوان عليها من الخارج والسجون التى يحبس فيها المخالفون والعقوبات التى توقع على الذين يقترفون الجرائم وبقدر بروز الحكومة وسلطتها بقدر بروز معنى "الدولة".

    وكان الجيش والبوليس فى "دولة المدينة" أوهى مقومات الدولة، ويمكن القول إنه لم يكن لهما وجود. وعندما بدت بوادر حرب بدر ودعا الرسول المهاجرين للحرب استفهم عن مدى استعداد الأنصار الذين استجابوا له ومع أن استجابتهم كانت حماسية فقد سألهم الرسول عن رأيهم، ولم يصدر إليهم الأوامر، لأن البيعة التى هاجر الرسول على أساسها لم تكن تتضمن حرباً هجومية، ولكن دفاعية..
    على أن موافقتهم ومشاركتهم لا تعنى وجود جيش محترف، ولكنها القبيلة التى يشترك رجالها فى القتال عندما تتطلب الظروف ذلك سواء كان دفاعاً عن حوزتها أو كان طلبا للمغنم. وكانت تحارب بطريقتها الخاصة من كر وفر دون أن يكون لها نظام وتقسيم من جنود وضباط وألقاب عسكرية إلى آخر هذا التقسيم الفنى الذى وصل إلى أوجه فى الجيش الرومانى حيث نجد الجيش المحترف والحرس اليريتورى والضباط والجنود الخ...

    ولم يكن فى دولة المدينة سجن، وعندما أسر المسلمون ثمامه بن أثال من بنى حنيفه ربطوه فى سارية المسجد، حتى أطلقه الرسول وحلت "المقاطعة" محل السجون. كما فى حالة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وأمر الرسول بمقاطعتهم. فكانوا فى سجن "هذه المقاطعة" التى عزلتهم عن أقرب الناس إليهم، كما تعزل السجون نزلاءها.

    وأدى عدم وجود الجيش المحترف، أو السجن أو الأغلال التى تبلور معنى السلطة وإرهابها ما بين بريق السيوف وظلام السجون ما يتعلق بشخصية المنشئ لهذه الدولة – أى الرسول – فضلاً عما يبعد عن الرهبة والسلطة قدر ما يرتكز على الإيمان الطوعى.

    حقاً إن الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة فى المرحلة الأخيرة، وبعد أن حصل على الاستجابة المبدئية من الأنصار فى معركة بدر كان يتصرف تصرف قادة الجيوش، وأظهر حنكة سياسية نادرة واستخدم الضغوط آونة والاستئلاف آونة أخرى بحيث دانت له العرب ولكن الجيش الذى استخدمه كان هو الجيش البدائى القبلى الذى يجتمع عندما يحدث قتال ويتفرق بعده.. ثم طاعة الرسول لم تكن مفروضة منه عليهم، ولكنها كانت قبولا طوعياً لإيمانهم بأنه "رسول الله" الذى اصطفاه الله، وأرسله، وأيده، فكيف يتصور مخالفته...

    ومن الخصائص التى تميز الدولة فرض ضرائب وتحصيلها بالقوة.. ولم يأخذ هذا الحق فى المدينة صورة الضرائب المألوفة. وإنما تمثل فى الزكاة التى "تؤخذ من غنيهم لترد على فقيرهم" كما لم تكن هذه الضريبة تودع فى الميزانية العامة للدولة "التى لم تظهر حتى خلافة عمر فى شكل "بيت المال" وإنما كانت توزع على المحتاجين والفقراء فى المجموعة التى أخذت منهم ولأن الزكاة حق مفروض لمستحقيها وليست منة أو إحسانا ولهذا كان من حق – أو من واجب – الدولة تحصيلها، فإن هذا لم يكن يتم غصبا، وإنما برضى وقبول من تؤخذ منهم، ووجه الرسول عماله لأن لا يأخذوا "كرائم أموالهم" وعندما ما لم يتبين أحد العرب حكمتها فقال "ما هذه إلا جزية. ما هذه إلا أخت الجزية" وأرجأ تسليم زكاته، ثم فطن إلى خطئه فجاء بها، فإن الرواية تقول إن الرسول رفض أخذها حتى توفى.. فلما جاء بها لأبى بكر رفض أخذها حتى توفى أبو بكر وجاء بها إلى عمر الذى رفض أخذها ومات الرجل فى خلافة عمر. وإن كان قد روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يختلف عن هذا فى إجبار من يرفض، بل وأخذ ضعف ما يكون عليه. كما أن أبا بكر شن حربه للرفض الجماعى من بعض قبائل العرب لدفع الزكاة ويحتمل أن يوجد فرق ضئيل بين أن تكون حالة فردية وتمرد جماعى.

    ثانيا: طبيعة مُنْشئ – دولة المدينة – الرسول وما يميزه عن الحاكــم / الملك ...
    إذا انتقلنا من الملابسات التى أدت إلى ظهور دولة المدينة بالصورة التى أخذتها بالفعل، والتى وإن شابهت الدولة فى بعض الوظائف، فإن طريقة ممارستها تختلف كثيراً عن مألوف ممارسات الدول لها، نقول إذا انتقلنا من هذا الجانب إلى الجانب الآخر الذى أعطى "دولة" المدينة طابعها الخاص. ألا وهو الصفة المميزة لمنشئ دولة المدينة وقطب الرحى فيها وهو الرسول، فإننا سنجد ما يتفق مع الطابع العام للملابسات التى أحاطت بتكوين هذه الدولة التى أعطتها طابعها الخاص..

    فلم يدخل الرسول المدينة دخول فاتح غاز، ولم يرث الملك كابراً عن كابر.. ولكنه دخلها من باب النبوة واكتسب طاعة أهلها بحكم الإيمان الطوعى ولم يكن فى هذا، ما يتطلب سطوة، أو رهبة، أو سلطة، وما كان يتفق معه أن يكون للرسول زى الملوك وسمتهم وأن يقف على رأسه الحراس وعلى بابه الحجاب فهذا كله يخالف طبيعة الرسل والأنبياء وإن كان يعد من برتوكول الدولة ومراسيمها، وكانت طبيعة الرسول تستبعد كل هذا بل وتناقضها بحيث أمر الرسول أن لا يطروه كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، وأوصاهم أن يقولوا عنه "عبد الله ورسوله" وكره المداحين وقال "إذا لاقيتم المداحين فاحثوا فى وجوههم التراب" وأعلن أن الله تعالى يكره من يحب أن يتمثل له الرجال وقوفاً، وقال حسب المرء من الشر أن يشار إليه بالأصابع، وعندما تملكت الرهبة فى مجلسه امرأة خفـض روعها وقال لها "هونى عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد...

    لم يكن له قصر أو بيت، ولم يكن له حرس، وكان قصر الرسول حجرات فى المسجد لم يكن لها أبواب، وكان بعض الأعراب يتطفلون عليها حتى نزلت آية الحجاب حاميه له ولزوجاته من هذا التطفل.
    وهم يقولون إن الرسول مارس – كأى حاكم – سلطة تطبيق القانون للقانون وتنفيذ العقوبات..
    وقد كان من الممكن أن نقول إن من يقوم بذلك لا يقال له حاكم، ولكن قاض..
    ولكننا لا نزج بهذا الدفع رغم وجاهته، لأن الطريقة التى مارس بها الرسول هذه الوظيفة تختلف جذريا عن الطريقة التى يمارس بها الحكام العاديون هذه الوظائف.

    إن الرسول لم يكن ليطبق الحد إلا بعد أن يحاول درء الحد بكل الطرق التى تصل إلى حد تلقين المتهم الإنكار فأين هذه الطريقة من الطرق المقررة عندما تنصب الشباك للمتهم وتستخدم وسائل التجسس حتى يضبط "متلبساً بالجريمة".
    من هنا فإن المهم ليس ممارسة الرسول لبعض الوظائف التى يمارسها الحكام، ولكن طريقة الممارسة التى تختلف مخالفة جذرية عن الطريقة التى تمارسها الدول.
    avatar
    الباقر الشريف
    عضو

    عدد المساهمات : 28
    تاريخ التسجيل : 02/12/2012

    رد: الإسلام دين وأمّـة وليس دينًا ودولـة

    مُساهمة  الباقر الشريف في السبت يناير 25, 2014 7:16 am

    وهناك شئ أهم من هذا كله ..
    ذلك أن هذا المؤسس للدولة كان يتلقى توجيهات وحى ليست فحسب ترسم له الطريق، ولكن أيضا تؤدبه وتلزمه الجادة، وتحول بينه وبين الاستسلام للضعف البشرى. وهذه التوجيهات ليست "سرية" أو لا يعلم بها إلا الرسول، ولكنها علنية، لأنها آيات من القرآن يتلوها جمهور المسلمين ليل نهار، وهذا شئ لا يمكن أن يحدث بالنسبة لملك وهو ما يجعل رأس هذه "الدولة" نمطا فريداً بين الرؤساء، ولعلها المقصودة بما يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم "أدبنى ربى فأحسن تأديبى"..

    وأى "ملك" تصدر إليه الأوامر "بأن يخفض جناحه للمؤمنين .."
    • (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَــاحَــكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) {الحجر 88}.
    • (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) {الشعراء 215}.

    لقد استخدم القرآن الكريم تعبير "خفض الجناح" ليصف مسلك الأبناء نحو الآباء. فأن يستخدم التعبير نفسه ليصف مسلك الرسول نحو أتباعه، فإنه فى هذا يحدد العلاقة بين حاكم ومحكوم بما لم تصل إليه أى ديمقراطية.
    واقـرأ أيضا …

    • (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَــا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) {67 – 68 الأنفال}.
    • (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَــانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) {الكهف 28}.
    • (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ( {التوبة 43} ..
    • (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ( {التوبة 80} ..
    • (عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى. أَمَّا مَنْ اسْتَغْنَى. فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى. وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى. وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى. وَهُوَ يَخْشَى. فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) {عبس 10-11}..
    • (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَــأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُــونُــوا مُؤْمِنِينَ( {يونس 99}..
    • )وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ) {الأنعام 35}..

    وحتى فى سلوكه مع زوجاته ..
    • (يَــا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِــمَ تُحَرِّمُ مَــا أَحَلَّ اللَّهُ لَــكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) {التحريم 1}..

    انظر إلى هذا الملام، أو قل الوعيد ...
    • (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا. وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا. إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرً) {الإسراء 73-75}..
    • (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ(44) لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) {الحاقة 44-46}..

    لا يتصور فى نظم الحكم أن تصدر إلى الملك توجيهات من مصدر أعلى (وأين هذا المصدر الأعلى من الملك) – بمثل هذه الصراحة والصرامة – تلزم الحاكم أو الملك حدوداً وتوجه إليه الملام على بعض تصرفاته، وتكون هذه التوجيهات علنية يقرأها الشعب ليل نهار ويرددونها فى صلواتهم.

    وكان الوحى يصحح للرسول بعض تصرفاته، كما فى حالة أسرى بدر، وفى صلاته على جسد كبير المنافقين بن ُأبى فلم يكن الرسول حراً حرية مطلقة فى إصدار القرارات والأحكام، كما لم يكن الأمر أمر المسلمين أنفسهم وإنما كان الرسول والمسلمون لهما نصيبهما، ولكن الوحى، ويمكن أن نقول "القرآن" كان دعام النظام الذى قام فى المدينة، وكان الحكم فيها هو حكم القرآن أو كما يمكن أن نقول حكم القانون.
    من ناحية أخرى، فإن القرآن أثنى على الرسول وامتدحه بمــا لـم يمتــدح فــرداً آخــر فقــال )وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ( وقال: )وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ(، وقــال: )فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)..

    واعتبر اصطفاءه وإرساله منة كبرى على المؤمنين )لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ( {آل عمران 164}..

    وأوجب على المؤمنين طاعته والالتزام بشىء من الأدب تجاهه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) {الحجرات 2}.
    وقال (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا) {الأحزاب 36}.

    وقال (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) {النساء 65}.

    وهذه الآيات جعلت طاعة الرسول فرضاً دينيا وواجباً على المؤمنين بنص القرآن، بحيث لم يعد شائبة خلاف فى هذه الناحية ..
    وهكذا نرى أن وضع الرسول وضع خاص جداً وفريد، ولا يمكن القياس عليه وقد أخطأ بعض الدعاة عندما لم يلحظوا الصفة الاستثنائية للرسول، واستشهدوا بواجبات الطاعة للرسل كمثال لما يجب أن تكون عليه طاعة الأعضاء لقائد الجماعة أو "الخليفة" أو "الإمام" أو "رئيس الجماعة" فهؤلاء جميعا لا يستحقون على جماهيرهم الطاعة التى استحقها الرسول على المؤمنين باختصاص الله له. وقد كان لهذا المزلق الذى وقعت فيه معظم الدعوات الإسلامية المعاصرة آثار وخيمة على ديمقراطية الأداء فيها.

    هناك جانب لا يجوز إغفاله، ويغلب أن يساء فهمه خاصة من المستشرقين، ألا وهو الغزوات التى شغلت الكثير من اهتمامات الرسول والمسلمين، ولا يمكن فهم هذا الجانب إلا فى ضوء الظروف والملابسات التى حكمت الدعوة نتيجة لاضطهاد ومقاومة قريش. هذا الاضطهاد الذى أدى بالمسلمين لترك دورهم وأموالهم والهجرة إلى المدينة دون أن تقف هذه العداوة، بل لاحقتهم وحالت دون أن يتمتعوا بأمن وسلام، ولهذا كانت المجابهة أمراً مقضيا ولا مناص منه. ولم تقف هذه المجابهة إلا بفتح مكة التى كانت بدورها ثمرة للسياق التاريخى..
    هذا الجانب من النشاط الذى هو أقرب إلى الدولة منه إلى الأمة كان بأسره نتيجة للظروف والملابسات التاريخية التى فرضت نفسها على الدعوة ولم تكن أصلاً فيها، وضرورة للدفاع عن الدعوة وليس عن الدولة. وقد أزعج بعض الكتاب المعاصرين أن يجدوا أن كتب السيرة لا تكاد تتضمن شيئاً خلاف الغزوات أو لا تذكر موضوعاً يماثل موضوع الغزوات والحق إن هذا لم يزعجهم وحدهم، فقد أزعج المسلمين الأوائل الذين لم يكونوا بوجه خاص يحبون القتال، بل كان بتعبير القرآن الكريم "كرها لهم" ولكن القرآن وضع التكييف الكامل للقتال، فمع أنه كان كرها للمسلمين الأول إلا أن طبائع الأشياء ومقتضيات المجتمع جعلت منه "خيراً كثيراً" وهذا الخير هو أنه ما لم يجابه الطغاة والمستبدون بالحرب فإن طغيانهم لابد وأن يستشرى حتى يستعبد الناس ولا يعد لهم حرية، ولما كان الظلم من شيم النفوس التى تتبدى ما لم تقفها قوة، فإن هذا يعنى القتال، والقتال هنا يعنى حماية للحرية وهو ما يعبر عنه القرآن "لكى لا تكون فتنة" أى لكى لا يفتن أناس عن عقيدتهم بالقوة. فالإسلام لم يمجد الحرب للحرب، ولكنه رأى فيها ضرورة، إذا كانت كريهة، فإنها تحمى الحقوق والحريات.

    وقد ظهر الإسلام فى قوم كان النهب والسلب والغارة على الآخرين أحد موارد رزقهم فحرمها وحسم شأفة ذلك وأحل السلام والأمن بين الناس، كما أنه عندما سمح بالحرب للأسباب التى سبق ذكرها فإنه هبط بسوءاتها إلى أقصى ما يمكن، وتقبل أشد الأعداء – عندما آمنوا – كأخوة متحابين وقضى على العداوة القديمة كأن لم تكن لأن الإسلام يَجُبُ ما قبله ولم يكن هذا هو شأن "الثأر" فى الجاهلية أو الدول عادة مع أعدائها.
    هذه الجوانب كلها لقضية القتال الإسلامية، لم يكن مناص من مجابهتها، وما كان يمكن لهذه المجابهة أن تتم إلا بالسيف، وإلا بمعنوية عالية، فجاءت الآيات القرآنية تستحث المسلمين للدفاع وتثير فيهم الحمية والقوة حتى لا يستسلموا أو يضعفوا. والتقصى الدقيق لكل آيات القتال بدءًا من السورة التى أذنت بالقتــال )أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ( {الحج 39}. حتى سورة التوبة كلها نصوص دفاعية حتى ما يبدو منها متشدداً للحيلولة دون "الفتنة" أى فتنة المسلمين عن دينهم.

    وعندما تفرض الظروف المبررة للحرب من دفاع عن النفس، والمال، والعقيدة على طرفِ الحربَ فلابد من رفع الروح – المعنوية ومن الاستعداد للقتال ومن إحساسه بما يكفل الانتصار، فالحرب جد لا هزل فيه، لأن الهزل يعنى الهزيمة والعار والنهاية، وهى قطعاً أسوأ مما تحدثه الحرب من مآسى..

    ويجب أن يلحظ أن القتال ليس إلا جزءاً من "الجهاد" الأكثر شمولاً وأعم معنى، والذى جاءت بصدده وحثت عليه الآيات، وهو يعطى أعلى معنى للإيجابية والفعالية فى الحياة بحيث لا تكون الحياة سلبية، وبهذا المعنى فإن كل ما جاء عن الجهاد فى الإسلام إنما ينصب فى خانة الحياة ويثريها
    avatar
    الباقر الشريف
    عضو

    عدد المساهمات : 28
    تاريخ التسجيل : 02/12/2012

    رد: الإسلام دين وأمّـة وليس دينًا ودولـة

    مُساهمة  الباقر الشريف في السبت يناير 25, 2014 7:20 am

    وفى النهاية نجد أن دولة المدينة رزقت ملابسات فى التأسيس لا تتأتى لغيرها، وانسحبت أثارها عليها بحيث كانت سياقاً تاريخيا جمع بين الرسول وضرورة الحكم وانتهت بموت الرسول، لأنه لا رسول بعده.

    وأن رأس هذه "الدولة" الفريدة كان رسولاً يستلهم الوحى الذى يوجهه ويؤدبه ويعاتبه، بقدر ما كان يوجب على المؤمنين طاعته. وهذا بالطبع ما لا يتأتى لأى دولة أخرى.

    ومع هذا فلم تكن دولة المدينة دولة بالمعنى السائد الذى نجده فى معظم النظم السياسة، فليس لها جيش محترف ولا سجون مشيدة ولا بوليس ولا تفرض ضرائب. وليس هناك دولة متكاملة المقومات لا توجد فيها هذه.

    وهذه الطبيعة الفريدة هى التى أمكن بفضلها الجمع ما بين النصوص التى تندد بالحكم والمُلك، وبين قيام الرسول بمسئولية الحكم. لأنه لم يكن حاكماً بقدر ما كان قاضياً، وداعيا إلى الله بأذنه ولأن دولة المدينة لم تكن كبقية الدول.

    وهذا لا يمنع من أن الرسول خلال تجربته وضع مبادئ وأصول تعد أثمن ما تعتز به دولة. ويمكن أن تكون من أسس نظام الحكم الإسلامى مثل الشورى، ومحاسبة الحكام واستهداف العدل والعفو عن المخالفين والحرص على كرامة الإنسان الخ ...

    وكان واجباً على الهيئات الإسلامية أن تضع هذه الاعتبارات ُنصب عينيها عندما تقول إن الإسلام دين ودولة قياساً على دولة المدينة، كان يجب عليها أن تقول إن دولة الإسلام دولة رحمة وعدل ونور، دولة ليس فيها أجهزة قمع من سجون وبوليس ولا لها جيش محترف ولا تفرض ضرائب حتى لا تحدث المهازل التى حدثت باسم الإسلام فى تجارب لإقامة دولة لا تختلف فى شئ عن الدولة الرأسمالية أو الشيوعية. ففيها سجون، وفيها تعذيب، وفيها تكميم الأفواه وضرب المعارضة.. ولا تنفق معظم أموالها لرعاية الشعب ولكن لشراء الأسلحة وبناء السجون.. فأى دولة إسلامية هذه.
    http://www.islamiccall.org/DinWaUmma_1-ch2.htm

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء سبتمبر 20, 2017 3:44 am